إيمان القويفلي
سنرفع قضية. نحنُ أبناء الأعوام الكالحة، الذين كانوا تلاميذ صغاراً في الثمانينيات، وطلاباً جامعيين في التسعينيات، وبلغوا الألفية الجديدة عاطلين، أو موظفين برواتب تحت خط الفقر. لدينا قضية وجيهة وقد ظلمنا ونستحقّ تعويضاً، بالتأكيد.
المرحلة الواحدة تـُنتجُ أفراداً مُتشابهين، مع فوارقَ فردية، والأفراد المتشابهون يصنعونَ جيلاً يحمل سِمات المرحلة، عذاباتها ومباهجها وخلاصة تجربتها وأخلاقها. هكذا يوجدُ (جيل الستينيات) في السعودية بمزاجهِ القومي العروبي أو اليساري، ويوجد (جيل الطفرة الأولى) الذي عرَفَ انتقالاتٍ درامية من الفقر إلى الغِنى ومن الحداثة إلى التـّديّن، وبالعكس، وسيوجد لاحقاً (جيل الطفرة الثانية) الحالية بمزاجٍ وتجربة وأخلاقٍ مختلفة أيضاً. حتى السبعينيات التي لم تشهد طفراتٍ كـُبرى أو موجاتٍ ثقافية في السعودية، كان لها طابعها الذي يتـّسم بالليونة والبساطة.
يبدو إذن أن لكلّ عـقد مرّ على البلاد مباهجهُ التي ذاقها شبابه، إلا أولئكَ التعساء الذين جعلهم الحظ الرديء أطفالاً في الثمانينات، لـِيشبّوا ويبدأوا ما يُفترض أنهُ حياتهم العملية، في التسعينات. هؤلاءِ هم ما يجب تسميتهُ بـ(جيل الأعوام الكالحة)، وهُم من يحق لهم المقاضاة، استناداً إلى الحقائق التالية:
1- لأنهم الجيل الذي كان طفلاً عندما كانت موجة الابتعاث إلى الخارج في ذروتها عام 81 - 82م، وعندما جاءت موجة الابتعاث الثانية الحالية كانوا قد أصبحوا في الثلاثين، عجائز نسبياً وغير مُناسبين لأن تستثمر فيهم برامج الابتعاث، وهكذا خسروا فرصة الحصول على تأهيل جامعي محترم، في الحالتين.2- لأنهم الجيل الذي عندما بلغ سن الدراسة الجامعية، كانت أمامهُ جامعاتٍ محدودة بتخصصاتٍ بائسة، بينما توجد الآن عشرات الكليات الأهلية والمعاهد وتستعد البلاد لافتتاح جامعاتٍ إضافية، لاستقبال الجيل الجديد من الشباب.3- لأنهم الجيل الذي اضطر إلى دراسة هذه التخصصات الجامعية البائسة، وعندما تخرّج لم يعثر على عمل أو عمِلَ براتبٍ يضعه تحت خط الفقر، بينما كانت هذه التخصصات الجامعية البائسة كافية ليحصل الجيل الذي سبقه على أفضل الوظائف. 4- لأنهم الجيل الذي لم يهتم أحد لجودة تعليمه أو لنوعية المناهج التي يدرسها في المدارس، ولم تكن هذه قضية وطنية ساخنة. 5- لأنهم الجيل الذي لم يحتفل قط في مدرستهِ باليوم الوطني. 6- لأنهم الجيل الذي اضطر في طفولته للاكتفاء بساعةٍ واحدةٍ من الكارتونات القديمة تعرضها القناة الأولى وتقطعها أحياناً دون مبرر.7- لأنهم الجيل الذي أقنعوه بعد أعوامٍ قليلة أن الدش حرام، فـصدّقهم.8- لأنهم الجيل الذي لم يحضر قط مسرحية للأطفال، أو سينما في قلب الرياض.9- لأنهم الجيل الذي عندما أرادَ أن يقرأ، كانت كل الكتب الجيدة التي توافرت للجيل السابق، قـد مُنعت. 10- لأنهم الجيل الذي عندما أرادَ أن يشتري، كانت السوق مُحتكرة دائماً لسلعةٍ واحدة مرتفعة الثمن ومتوسطة الجودة. 11- لأنهم الجيل الذي أفرط في التديّن وذبحتهُ شفرات تطلعاتهِ المثالية. 12- لأنهم الجيل الذي اضطر فيما بعد إلى تطبيق حركاتٍ تصحيحية مؤلمة جداً على قناعاتهِ وسلوكهِ، وبعضهُ فشل حتى في تطبيق التصحيح.13- لأنهم الجيل الذي لم يحظ خلال نشأتهِ بأية فرصة من أية نوع للاقتراع، أو التصويت، أو إبداء الرأي، أو حتى المطالبة بالعدالة المعنوية والمادية. 14- لأنهُ الجيل الذي نشأ في تعتيمٍ إعلامي حتى إنهُ لم يكن يدري ماذا يحدثُ في المدن السعودية الأخرى، وأحياناً مدينته.
الموجز: لأنهُ الجيل الذي دفع ثمن الأخطاء الاقتصادية للطفرة الأولى، وتقشفَّ حتى يوفر للجيل التالي فرصة أفضل. ولأنهُ الجيل الذي لم يُـدرك العيش البسيط للسابقين، ولم تتفتح مداركه في وسطٍ متعدد الخيارات كاللاحقين. لأنهُ الجيل الذي دفع ثمن الخيارات الثقافية الخاطئة لمن سبقه، ودفعَ أضحياتٍ من أفراده للإرهاب ليُـقدّم موعظة وطنية يعتبر بها اللاحقون. لأنهُ الجيل الذي لم يتمتـّـع خلال نشأته وتعليمهِ بأيٍّ من المباهج المعنوية التي توافرت لمن سبقهُ ومن تلاه، ولا بالترف المادّي لهم.
أفرادهُ سِمتهم الرئيسية هي أنهم غير مُهمّين، ولا نافعين، لأي شيء. أليسوا حقاً أبناء الأعوام الكالحة! إذا كان لكل دولةٍ خاضت حرباً جمعية ترعى قدامى المحاربين، فإن (أبناء الأعوام الكالحة) هم محاربو هذه البلاد، ويستحقون رعاية خاصة من أجل إصاباتهم المعنوية والثقافية والتقشفية. ولأن الدولة تركز كل اهتمامها الآن - كما يبدو - على الجيل الجديد، ولا تفكر في تعويض محاربيها القدامى، فمن حقهم إذن أن يطلبوا الرعاية والاهتمام.
وكواحدة من (أبناء الأعوام الكالحة)، أقترح تحريك دعوى قضائية، نطالب فيها بتعويضٍ عن عقد التسعينيات، وما سبقهُ بقليل، وما تلاه بقليل. وأنتظر فقط دعماً وتضامناً من مُجايليّ.
إن شاء السابقون واللاحقون أن يأخذوا بنصيحتي، فإنه من صالحهم أن ينضموا إلينا في هذه الدعوى القضائية، لأنها في حقيقتها، ليست مشكلتنا وحدنا، وليست مشكلة غير قابلة للتكرار. الأعوام الكالحة مرشحة للعودة، طالما ظلت فـُـرَص كل جيلٍ رَهناً لـِظروف المرحلة، فإذا هبطت أسعار النفط نشأ جيل ٌ يقيس بحرص بخيلٍ كمية معجون الأسنان التي يضعها على الفرشاة كل صباح، وإذا ارتفعت أسعار النفط نشأ جيل يذهب إلى الجامعة ليدرس الفنون والأدب لأنهُ ليسَ محكوماً في خياراتهِ بالمادة، بل بالرغبة والهوى. عيب أن تحدد ظروف المرحلة طبيعة التعامل. الأعوام الكالحة مرشحة أيضاً للعودة طالما بقيت الشيخوخة الـمُقدّسة، مُـقدّسة. ف
لا يُـسمع لصغار السن صوت ولا يؤخذ لهم رأي، ويُـعاملون دائماً كمصدر للانحرافات والشغب والمشاكل والسقوط القيمي والأخلاقي، أو يُـعاملون في أخف تقدير كجَـهلةٍ أغرار يفتقرون إلى الخبرة أو التعقل، لهذا لا تــُـعتبرَ مطالبهم ولا يُحترم ذكاؤهم. طالما بقيت الشيخوخة تتمتع بهذه القداسة الطاغية لن يكون للشباب أية فرصة في التعبير، أو الاعتراض، أو المطالبة من أجل إنقاذ أنفسهم ومستقبلهم إذا أوشك على الضياع، وستعود الأعوام الكالحة من جديد. لابدّ أن تعود. ... إذن، لدينا قضية حقيقية هنا، وهذا المقال هو نصّ العريضة. إذا كنتَ مهتماً، ويجب أن تكونَ كذلك.
* نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية
|
