طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 20 صفر 1427هـ - 20 مارس2006م
عمرو.. السويدان.. الجفري.. ثلاثي كوبنهاجن!
 

خالد صالح السيف

تصنع سيكولوجية "الجماهير" وإفرازات أنزيماتها المغرية مع ما ينضاف إليها من إبهار فلاشات "الميديا" بكاسحات/راجمات أضوائها البالغة حدا مدهشا من التزييف بحيث لا نتمكن جراءها من أن نتبين وجه الحق فيمن ينتصب قبالتنا من باطله، هذه السيكولوجية الصاخبة حضورا وتلك الفلاشات الباهرة لمعانا إنما تصنع ما يمكن أن يكون أشد شناعة وأقسى مخالفة مما كان قد اجترحه الثلاثي المرح: (طارق، عمرو، الجفري).. بدمهم البارد سيولة.. ووجوههم الطلقة رقة في ابتغاء ما عند الآخر من التعايش وبأسرع الطرق إليها وأيسرها سبلا، الأمر الذي لم أجد معه أدنى مسوغ للحملة الشعواء التي طاولتهم شغبا في سبيل مؤاخذتهم فيما اقترفوه،مع محاولة تسفيه مؤتمرهم والحط بالتالي من ثقل شأنهم جماهيريا..، إذ إننا - وببلاهة - نحن من كان يصنع لهم تلك: (المقدمات) ويحرص على إنمائها ذلك أننا احتفلنا بهم وبغلو بائن، ودثرناهم بمعاطف فضفاضة هي ليست لهم بأي حال، ثم مالبثنا وبفعل كسابقه أخرق متعجل رحنا نشتغل بما لا نحسن سواه من صب: صخب الولولة.. ومن تفجير: همهمات الانتحاب.. ومن شناعة: جلبة اللطم..، بل إن منا من كان يركض بخيل الشيطان ورجله فيشق حينذاك الصدور ويدعو بالويل والثبور - والعياذ بالله -، نفعل كل ذلك ونزيد بما هو أسوأ وأشد عنتا مما قد مضى منا وبخاصة إذا ما تفاجأنا بنتائج لم ترق لنا إذ ذاك على الرغم من أننا نحن من احتسب بادي الأمر ديانة في صناعة مقدماتها الرخوة التي هي بالضرورة من شأنها أن تسفر بداهة عن نتائج منتفشة تعالما إمعانا في رخاوة مخرجات مقدماتنا التي حكناها بأيدينا.

فيا أيها الربع الطيبون من أهلنا... سألتكم بربكم: هل أن ثمة من أحد غيرنا هو من قد هيأهم لما آل أمرهم إليه؟!...، ولعلنا لم نزل بعد ننتظر من لدنهم المزيد الصاعق وهم له أهل! وإنا لذلك لمنتظرون.
ولئن أضفنا لما سلف ذكره، حال مبلغهم من التأهيل المعرفي (شرعا وواقعا) بحيث اكتشفنا - وكأنها للمرة الأولى - من أنه ليس هاهناك مؤهل يتوافرون عليه فيما نصبوا أنفسهم له سوى آليات وعظية مدجنة لتأتي بالتالي وفق صياغة مؤدرنة-نسبة للمودرن-! وذلك بحسبان الظاهر الذي تشي به أناقتهم المحمودة جملة وتفصيلا، أما شأن الباطن فهو لله وحده ونحسبهم فيه على درجة من صلاح في النية تلك التي لا تنهض وحدها بقبول العمل فضلا عن جواز توصيفه بالصحة، لئن أضفنا لما سلف ذكره مبلغهم من العلم فإنه ليلوح لنا في الأفق أن بنية مشروعات هذا: (الكوبنهاجن الثلاثي) يمكنها أن تشتغل ثانية على تحفيزهم إلى أمور أخرى، ذلك أن العقل القصصي /الوعظي ليس من شأنه إلا أن يبقي صاحبه ذا بال ويأنف من ثم أن يكون خامل الذكر من بعد أن كان قبلا ملء السمع والبصر بحسبانه شخصية جماهيرية مرشحة للظفر مستقبلا في نيل التلقيب بـ"الشخصية التاريخية" المولعة بالإغراق في متواليات العجائب تأكيدا على حاجة ملحة تأتي هذه المرة مندسة في عمق أيديولوجيتها نفاذا باتجاه ذهنية "الجماهير" بأقل جهد ممكن وبأسلوب فاعل في التضخيم والإزراء بالعقل.
وأيا يكن شأن مؤتمرهم، فإنهم حتى فيما أفلحوا فيه فضائيا لم يعوا فيما أخال منهجية القصص القرآني ليتخذوها بالتالي لهم مسلكا وهديا، تلك المنهجية التي يمكننا أن نفهم شيئا من برهان هديها من خلال السياق القرآني الذي وردت فيه: "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أو حينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"، ليس في الآية ما يشي أن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعرف هذه القصص من ذي قبل كما أنه ليس من شأن الآية أن تبين عن ذلك وتحرره، وإنما المتيقن فيه أن الذي يعرف القصص ويترك العبرة منها هو الغافل وهذا بالضرورة يصح على الكتابيين من يهود ونصارى كما يصح على كل من يعرف قصة - تأتيه بوحي صادق - ثم لا يستفيد منها مثلا / أي باتخاذها أنموذجا في مقاربة مقاصدها... قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" والقرآن الكريم بكونه وحيا فلا ريب حينئذ أن يكون قد انتظم أحسن القصص... ولا يعني ذلك أن القصص القرآني مجرد أخبار بل يعني أنها علامات يهتدى بها على مقاصد الوحي أي العبر من هذه الأخبار... وهذا ما يؤكد على أن القصص إنما تم تتبعها/قصها قرآنا بما تقتضيه تلك المقاصد، إنها منهجية قرآنية تتغيا إنهاء الغفلة إذ تروم إيقاظ العقل في تتبع التأريخ وأحداثه استشرافا لمستقبل من خلالها تتم صناعته لكنه ليس إلا لأولي الألباب /أصحاب العقول.
والإخوة الثلاثة (عمرو /طارق/ الجفري) وعاظ ونعما هذا الوصف وحسبي أنه الأليق بهم مهما تقاذفت بهم رياح الاهتمامات وراحت بهم تطويحا يمنة ويسرة وهم لا يلوون على شيء لاهية قلوبهم، هؤلاء الإخوة الثلاثة إنما توسلوا القص في تأدية ما نذروا أنفسهم له من الوعظ المباشر الذي غاية تعويله على بكائيات التخدير المصنوعة على عين العواطف فيما النقل الصحيح ببعد عقله الصريح قد منح إجازة طويلة الأجل الضريبة التي تدفع عادة من أجل النجاح في خطاباتنا الدينية، ولما أن اطمأنوا لمقاربات النجاحات وفق مقاييس الفضائيات وتحسن الدخل آثروا أن يمدوا رواق نجاحاتهم، ولهم في ذلك الحق كله إذ إنهم تفاجأوا بالقاعدة الجماهيرية التي لم تخطر لهم على بال من ذي قبل فضلا عن مباركتهم من لدن كافة أصحاب الصنعة واهتبلوها فرصة فكان أن رأينا:
*القاص وعظا طيبا مباركا الفاضل /طارق السويدان ينعتق من عنق زجاجة وعظه الضيقة وقد تبرم من ضيقها وهو الفارع في طوله ليكون: (بتاع كله) فتوى.. مدربا.. مفكرا.. منظرا إعلاميا.. ومصورا فوتغرافيا، صانعا لكل النجاحات التي لربما أن تتعثر بها المشروعات المؤسسية لو أنها عزمت على أن تضطلع بكل الجهد الذي جعل السويدان من نفسه لها محور ارتكاز... وبلعنا الطعم!.
*القصاص المتقن بلغة محكية زاوج فيها ما بين روحانيات المشهد المددي وبين كوميديا سيما الستينات الفاضل/ عمرو خالد.. وهو الآخر قد ضاق ذرعا بملتقيات الأحبة تلك التي كانت بمقاساته (وتخب بعد) بيد أنه آثر أن يكون بين عشية وضحاها رجل أمة يصنع الحياة ويحيا لصناعتها بجمع مليون كيس بلاستيك... وألفيناه كرة أخرى مفتيا وخبير تنمية و...،... وسياسيا يحسب أنه بقصة أم معبد يثني "كوبنهاجن" عن فعلها الكبارا.
* أما ثالثهم: الواعظ ذو اللكنة الحضرمية الرشيقة خفة على "الألب" - أقصد القلب - الفاضل الحبيب علي الجفري، فلقد منحته قناتي الشارقة ودريم جناحين تجاوز بهما شقة "الدقي" وبات إماما لا يعز عليه أن يقول ما شاء في أي شيء شاء. وبات مريدوه يستشرفون طلته الفضائية باعتبارها مددا.
وبكل... فإنه لمن الحيف بمكان أن نضيق واسعا ونأبى عليهم أن يشتغلوا (سياسية)، وما من أحد قام مقامهم إلا وهو لا يستنكف مطلقا أن يترقى زلفى لا أن يعود القهقرى.. وذلك أن (الميدان يا حميدان) و(ما فيش حد أكبر من حد).وأيما أحد اشتط في معارضتهم جراء مؤتمرهم سيقولون له: "بيننا وبينكم الجمهور" نعم الجمهور أما شأن مفردة "الجنائز" فتلك مفردة قد دفنت يوم أن دفن الإمام أحمد.
وبعد.. فلم أشأ أن أختم كتابتي هذه دون أن أدون هذا المنقول: عن ابن عمر رضي الله عنه: (لم يكن القصص في زمن رسول الله ولا أبي بكر ولا زمن عمر) رواه ابن ماجة وعن خباب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا) رواه الطبراني في الكبير وعن أبي قلابة قال: (ما أمات العلم إلا القصاص) رواه أبو نعيم في الحلية ومر ابن عباس بقاص يقص فركله برجله وقال: أتدري الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال له ابن عباس: هلكت وأهلكت) رواه ابن حزم في الناسخ والمنسوخ.
قال يحيى بن معين: وسمعت الإمام مالكا يكره القصص، فقيل له: يا أبا عبدالله فإن تكره فعلام كان يجتمع الناس من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم ولما دخل علي رضي الله عنه مسجد البصرة أخرج القصاص منه لعل في هاته النصوص بلغة لمن شاء أن يتعظ ويعي أنه أيما أمة جعلت رسن قيادها بأيدي وعاظها فقل عليها السلام ومؤتمر "كوبنهاجن" خير شاهد.
* نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: