طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
الأحد 04 ربيع الأول 1427هـ - 02 أبريل 2006م

الشرطة المصرية .. شاهد ما شافش حاجة

 

علي بريشة

مجزرة سياسية في الحي الهادئ .. بهذا العنوان علقت صحيفة مصرية مستقلة على الأحداث الدامية التي شهدها حزب الوفد المصري والتي تجاوزت في تفاصيلها حد اللامعقول .. أعمال عنف وبلطجة وضرب وسنج ومطاوي وكرابيج وأسلحة نارية وقتيل وعشرات المصابين بينهم صحفيون .. كل هذا يحدث في أعرق الأحزاب السياسية المصرية وبأيدي صفوة من رجال القانون والسياسيين ونواب مجلس الشعب .. والأهم من ذلك تحت عيون وآذان رجال الأمن الذين إكتفوا بالفرجة ورفعوا شعار عادل إمام الشهير في مسرحية (شاهد ما شفش حاجة).

في أزمة حزب الوفد المصري يستطيع المراقب أن يخرج بالعديد من الملاحظات حول حالة الترهل والموت الإكلينيكي التي أصابت الجسد السياسي في مصر وبالذات جسد المعارضة (الرسمية) الهزيل الذي أدمن الهزائم والنكسات .. فمن هزائم فادحة في الإنتخابات الرئاسية إلى خسائر أفدح في الإنتخابات البرلمانية .. ولكن لندع المراقبين السياسيين يقيمون ما يحدث في الحزب بطريقتهم .. فهم في النهاية لن يضيفوا جديدا. وكلماتهم وتحليلاتهم لن تخرج عن أن تكون حجرا آخر يرجمون به جسدا ميتا بالفعل .. جسد الأحزاب المصرية التي تتساوى فيها الأغلبية والمعارضة في الترهل الإداري والضعف والبعد عن الشارع
ولكن ما يلفت النظر أكثر في قضية حزب الوفد هو موقف رجال الأمن وطريقتهم في التعامل مع الأزمة .. كل المقدمات السابقة على المذبحة كانت تشير إلى إحتقان في الجو بين المجموعتين المتنافستين على زعامة الحزب .. والوجود الأمني حول الحزب كان كثيفا تحسبا لانفلات الوضع فضلا عن أن الحي الذي يوجد به الحزب هو مقر للعديد من السفارات والهيئات الدولية والحكومية وكلها أماكن تتمتع بحماية أمنية .. كما أن قسمي شرطة الدقي والعجوزة لا يبعدان عن موقع الحزب سوى 300 متر .. ومديرية أمن الجيزة لا تبعد عن موقع الحزب سوى 600 متر .. ولكن .. عندما وقعت الواقعة وحدثت المعركة الكبرى وجدنا الشرطة تقف موقف المتفرج .. تشاهد ولا تتدخل .. ترى الضرب وإطلاق الرصاص والضحايا يتساقطون ولا تحرك ساكنا من أجل فرض الأمن وحماية (المضروبين) والقبض على (الضاربين) .. كيف حدث هذا .. قد يقول البعض أن الشرطة لم تشأ أن تتدخل في شأن داخلي بالحزب حتى لا تتهم الحكومة بالتحيز لطرف ضد طرف .. وقد يرى رأي آخر أن الحكومة أرادت أن يصل الصراع داخل الحزب إلى نقطة اللاعودة فيتفجر الوضع وينفجر الحزب نفسه من الداخل وتبقى يد الحكومة المصرية ناصعة البياض ليقول قائلها : ( شفتوا إزاي أحزاب المعارضة بيضربوا في بعض وبياكلوا بعض .. هؤلاء هم السياسيون الذين يطرحون أنفسهم كبديل للحكومة وينتقدونها ويتهمونها بالبلطجة في الإنتخابات ويطالبون بإلغاء قانون الطوارئ.. فانظروا كيف يتصرفون ) ..
والواقع أن كلا الرأيين يصل لنتيجة واحدة .. وهي أن وزير الداخلية المصري يجب أن يقدم استقالته فورا بتهمة الإهمال الجسيم .. فواجب الشرطة في أي وقت وأي مكان هو حماية المواطنين .. ولكن أن ترى الشرطة إطلاق رصاص وأعمال عنف ومصابين وقتلى أمام عينيها ثم لا تتدخل فهذا في حد ذاته جريمة يرتكبها ضابط الشرطة الصغير الذي لم يتدخل إنتظارا للأوامر .. ومسؤول الشرطة الكبير الذي عطل تدخل الأمن في إنتظار الأوامر .. ووزير الداخلية شخصيا الذي لم يصدر الأوامر بالتدخل (أو لعله أصدر الأوامر بعدم التدخل) .. فليس الحياد أن يسمع رجال الشرطة صوت الرصاص ويشاهدون الدماء تسيل من الأبرياء دون أن يحركوا ساكنا .. هذا ليس حيادا ولكنه تقصير أمني صارخ يستحق الحساب والعقاب. عندما تنشب خناقة زوجية في مصر وتصبح الحياة الزوجية مستحيلة بين الطرفين يكون الصراع غالبا على إمتلاك شقة الزوجية ويكسب الصراع أول من يغير كالون الباب ويغلق باب الشقة ويجعل خصمه (زوجه سابقا) في الخارج .. ساعتها يقف القانون موقف المتفرج .. لا تستطيع الشرطة التدخل في النزاع بدون أمر النيابة .. وتأشيرة النيابة يعرفها الجميع (يبقى الوضع على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء) .. وهكذا .. يعرف المواطن المصري البسيط أن أفضل طريقه للحصول على حقه هي تأجير مجموعة من البلطجية واقتحام الشقة موضع النزاع وفرض الأمر الواقع بالقوة ليبقى الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء .. وما أدراك ما القضاء وحباله الطويلة وشهور وسنوات من التأجيل والمرافعات والمداولات.
وبعد عمر طويل قد ينجح الورثة في الحصول على الحق القديم .. هناك آلاف القضايا في المحاكم المصرية تجسد هذه المأساة .. وهناك عشرات الأفلام المصرية روت هذه القصة بطرق مختلفة، ولكن المغزى الواضح لها هو أن شريعة الغاب تكون أفضل من القانون في التعامل مع أبسط القضايا في مصر. وقد فهم أساتذة القانون والسياسيون الذين يتنافسون على حزب الوفد هذه الرسالة .. وساعدتهم الشرطة في تكريس منطق شريعة الغاب، وأصبح من حق المواطن البسيط في هذه الحالة عندما يتورط في صراع على شقة أن يستبدل بتأشيرة وكيل النيابة التقليدية تأشيرة تقول : "على المتضرر اللجوء للبلطجية .. وهم قادرون على حل المشكلة من جذورها ".

عودة للأعلى