طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 24 رجب 1427هـ - 18 أغسطس 2006م

خطاب الأسد: التوقيت الخطأ

 

د.  حسن مدن

كما كان متوقعاً فإن الخطاب الأخير للرئيس السوري بشار الأسد فتح السجال على مصراعيه في لبنان، وأثار ردود فعل حادة كان من المستحيل تفاديها، لأن اللهجة التي وجه بها الرئيس الأسد خطابه لم تكن موفقة، أو فلنقل لم تكن ضرورية، خاصة في المناخ الذي نشأ في لبنان بعد العدوان “الإسرائيلي” عليه، والذي أظهر اللبنانيون، رغم التجاذبات السياسية بينهم، قدراً مهماً من التضامن في مواجهته وفي التعاضد على تخفيف الآلام التي كانت تنجم عنه. فخطاب الأسد أتى ليقدم دعاية مجانية لأولئك الذين دأبوا على التقليل من "لبنانية" المقاومة عبر الإيحاء بأنها ليست أكثر من أداة في يد ما يوصف ب”المحور السوري - الإيراني"، من خلال الهجوم الذي شنه على القوى السياسية اللبنانية المنضوية تحت إطار الرابع عشر من آذار، لدرجة رميها بتهمة العمالة ل”إسرائيل”، وهو منزلق ما كان يصح أن ينزلق إليه الرئيس الأسد.

وليس الهجوم المبطن، لا بل المعلن، الذي تضمنه الخطاب على الدول العربية الأخرى، التي شكلت العلاقات الطيبة معها محوراً من محاور السياسة الخارجية التي أرساها والده الرئيس الراحل، والذي برع في احتواء أي خلافات قد تنشأ بين دمشق وبين هذه الدول، رغم الفروق الواضحة في وجهة التحالفات الدولية والإقليمية لدمشق ووجهة تلك الدول العربية، وهو ما أمن غطاء عربياً قوياً، يكاد يكون دائماً، لدمشق في حقل من الألغام والرمال المتحركة، وهناك خطر أن تفرط فيه دمشق اليوم بقيادة الأسد الابن، وهو أمر محفوف بمخاطر شديدة لأنه سيؤدي إلى إضعاف الموقف السوري وعزله عربياً، في لحظة تبدو دمشق أحوج ما تكون إلى تأمين الغطاء العربي لموقفها في وضع إقليمي ودولي حرج.
من حق سوريا أن تبتهج بالنصر ممثلاً في مقاومة حزب الله واللبنانيين للعدوان الصهيوني، فهي كانت إحدى الجهات التي أمنت بعض مقومات هذا الصمود من خلال دعمها المعروف لحزب الله وللمقاومة، أخذاً بعين الاعتبار نفوذها السياسي والعسكري في لبنان حتى وقت قريب، وبالنظر إلى أنها، من وجهة النظر الجغرافية، تشكل سنداً للمقاومة بسبب الحدود الطويلة مع لبنان والتي تؤمن إيصال الإمدادات العسكرية لها. ومن حق سوريا كذلك أن ترى في نتائج الصمود اللبناني ضد العدوان الأخير تدعيماً، ربما لم يكن متوقعاً، لموقفها السياسي والدبلوماسي، إزاء الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها، لكن طريقة التعبير عن هذا الابتهاج يجب أن تكون متزنة ومدروسة وغير مستفزة، فسوريا الآن أحوج ما تكون لتفادي أي سجالات سياسية أو غير سياسية مع محيطها، سواء كان في لبنان أو في البلدان العربية الأخرى، خاصة المحورية منها كمصر والسعودية.
هناك من يقارن بين أداء الرئيس الأسد وبين أداء والده الراحل، ويقول إن الأسد الأب ما كان سيتحدث بهذه اللهجة في هذا الظرف، ويعزون ذلك إلى طراوة عود الابن وقلة خبرته السياسية، وهذا يمكن فهمه، لكن لو قرأنا الأمر على نحو آخر، نقول إن خطاب الأسد بالطريقة التي جاء بها يفتح على سوريا أبواباً، ويرتب عليها أعباء ليس معلوماً ما إذا كانت مستعدة لها.
* نقلا عن صحيفة "الخليج" الاماراتية

عودة للأعلى