طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 27 رجب 1427هـ - 21 أغسطس 2006م

حرب لبنان طوت "خطة الانطواء"

 

سري سمور

وضعت حرب لبنان أوزارها ولو مؤقتا من الناحية العسكرية وبدأت إسرائيل حروبا أخرى ومن أبرزها الحروب السياسية والحزبية الداخلية؛فهناك حروب بين أقطاب المؤسسة العسكرية والأمنية وبين هؤلاء من جهة وبين أركان الحكومة كرئيس الوزراء ووزير الدفاع من جهة أخرى، وهي حروب تعودت عليها الدولة العبرية بعد كل حرب أو مواجهة ميدانية وعسكرية مع طرف عربي وتبدو هذه المرة شديدة ومستعرة،حتى أن بعض المراقبين والخبراء يتوقعون أن تسفر عن سقوط مدوٍ للائتلاف الحكومي الذي يقوده إيهود أولمرت وتلاشي حزب كاديما الذي يتزعمه مثلما حصل مع أحزاب أخرى في الماضي.

أولمرت ورث شارون ؛والأخير قام بتنفيذ انسحاب من قطاع غزة وأربع مستوطنات في منطقة جنين شمال الضفة الغربية فيما عرف بخطة الانسحاب أحادي الجانب أو الفصل الأحادي،ورغبة من أولمرت في محاكاة سلفه أو استكمالا لما بدأه أعلن عما عرف بـ"خطة الانطواء " أو "التجميع" والقاضية بالانسحاب من مستوطنات الضفة الغربية عدا الكتل الاستيطانية الكبيرة واستكمال بناء الجدار وعزل مدينة القدس وضم منطقة الأغوار شرقي الضفة،وهي خطة تقضي على أي أمل ببناء دولة فلسطينية قابلة للحياة وتحيل الضفة إلى كانتونات وأشلاء ممزقة ،وقد سعى أولمرت إلى تسويق خطته محليا ودوليا.
الحرب الأخيرة على لبنان خلقت واقعا جديدا ؛فقد ضعف موقف أولمرت لعدم تمكنه من تحقيق إنجاز عسكري يحسم الصراع مع حزب الله ،وتراجعت شعبيته وازداد الجدل الداخلي في المجتمع الإسرائيلي على مختلف المستويات الحزبية والاجتماعية،وحملت لنا وسائل الإعلام قبل أيام أن أولمرت قد "جمّد" خطته(الانطواء).
فمثل هذه الخطة كانت محل نقد واعتراض المستوطنين والفئة المتطرفة التي وصل بها الحال إلى تهديد شارون نفسه بالقتل عندما أعلن عن نيته الانسحاب من غزة ،لكن شارون تسلح بتأييد شعبي واسع مقارنة مع أولمرت وماض عسكري أهله لاتخاذ إجراء يتعلق بالاستيطان الذي كان شارون "أبا" له بكل ما للكلمة من معنى،وتمتع شارون بأغلبية برلمانية مريحة وأصر على عدم طرح خطته على الاستفتاء العام،وكان شارون قد ألحق بالفلسطينيين "هزيمة كبيرة" من وجهة نظر إسرائيلية بطبيعة الحال،بعد نجاحه في ضرب وإضعاف السلطة وحصار رئيسها حتى وفاته وتنفيذ عمليات اجتياح وتدمير واسعة لمدن الضفة الغربية وقتل واعتقال آلاف القادة والكوادر الفلسطينيين،وبناء عليه يحق له أن يذهب في الاتجاه الذي يراه مناسبا.
ولعل أولمرت أراد من حربه على لبنان -وقبلها عملية "أمطار الصيف" ضد قطاع غزة- أن يحقق إنجازا كشارون يؤهله لتسويق وتنفيذ خطته ،آخذا بعين الاعتبار افتقاده لسجل عسكري مثل العديد من الجنرالات الذين تولوا رئاسة الوزراء،لكن رياح الحرب لم تجر بما تمناه أولمرت،فانطوت صفحة وفتحت أخرى.
أين تتجه الأمور على الصعيد الفلسطيني؟ربما نحو المزيد من التوتر والتصعيد؛فلو عدنا بذاكرتنا سنوات إلى الوراء نرى أنه وبعد شهور قليلة من انسحاب باراك من جنوب لبنان،تفجرت انتفاضة الأقصى ،ولقد وجدت المؤسسة العسكرية في تل أبيب فرصتها في الانتقام "لكرامتها المجروحة" عبر شن حرب لا مجال للحديث عن توازن قوى فيها ضد شعب أعزل ،ولا يستبعد تكرار هذا السيناريو مجددا،فالصورة كالتالي:حكومة إسرائيلية وضعها مختل وجيش دولتها لم يتمكن من إحراز نصر في لبنان ،وشعب فلسطيني نوابه ووزراؤه في غياهب السجون ولا يوجد أي أفق سياسي يمكن الحديث عنه وتتواصل هجمات إسرائيل عليه.
إنطواء "خطة الانطواء" جرّاء حرب لبنان إذا يحمل معه انطواءا لصفحة من تاريخ الصراع وفترة من الهدوء النسبي...وبالتأكيد مجموعة من "الانطواءات" الأخرى الإسرائيلية والفلسطينية والتي ستتضح خلال الفترة المقبلة.

عودة للأعلى