السيد ولد أباه
للصديق رضوان السيد نظرية طريقة في مسألة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية في البلدان العربية، ملخصها أن هذه العلاقة تتأرجح بين استتباع وتوظيف هذه المؤسسة وإقصائها وتهميشها. وفي الحالتين، ينتج عن هذه العلاقة انهيار المؤسسة الدينية التقليدية (التدريس والإفتاء والوقوف)، وانفجار الاتجاهات الأصولية أو «الإحيائية»، بلغة رضوان السيد. ولا شك أن التجربة العربية على اختلاف السياقات والساحات، قامت في تصورها وإدارتها للمسألة الدينية السياسية على منطلقين محوريين هما من جهة النأي عن النموذج العلماني الأوروبي في فك الارتباط بين حقل المعتقد الديني الخصوصي والمجال العام، ومن جهة أخرى الحيلولة دون أن يكون السقف الديني قيدا على استنبات النظم الدستورية و التشريعية الحديثة التي هي في منطقها الأعمق حصيلة مسار العلمنة الأوروبية.
ولعل هذه العقدة الإشكالية هي التي أطرت أنماط تعامل الدول العربية مع المؤسسة الدينية، التي احتضنتها في الغالب مع تقليم أظافرها وتقييد قبضتها على المجتمع.
فالبلدان العربية بكاملها (باستثناء لبنان ذي الوضع الخاص المعروف) نصت في دساتيرها على ديانة للدولة (هي الإسلام)، وتبنت رعاية المؤسسة الدينية التقليدية التي نجحت في الغالب في استتباعها وإن أضعفتها اما بالخطوات التحديثية الإصلاحية التي غيرت أو قوضت بنيتها المؤسسية (كتجربة تطوير التعليم الأزهري في مصر والزيتوني في تونس) أو بتحويلها إلى بنية طقوسية رمزية مفرغة من محتواها.
وقد أدى هذا الوضع الملتبس إلى فتح النار على الدولة العربية من التيارين الإسلامي والعلماني معا، فالاتجاه الأول يتهمها بالعلمانية والخروج على الشرعية الدينية لاعتمادها الأطر التدبيرية والتنظيمية الحديثة للحكم والاتجاه الثاني يتهمها بالماضوية والظلامية لتبنيها مرجعية دينية للدولة، مما يراه متناقضا مع قيم ومعايير الحداثة السياسية.
وكثيرا ما ننسى التنبيه إلى الخصوصية العربية في المجال الإسلامي العام، الذي عرف تجارب مغايرة.. فما بين التجربة التركية التي اعتمدت مسلكا علمانيا تصادميا مع المؤسسة الدينية، والتجربة الباكستانية التي قامت إيديولوجيا على شرعية الهوية الدينية، ثمة نماذج متعددة متمايزة، اختلفت من حيث المقاربات والتوجهات العملية.
وقد حدثني مرة أحد الوجوه الفلسفية المرموقة في غرب أفريقيا المسلمة بأنه يستغرب دوما من حيث هو مفكر مسلم ملتزم بهاجس الصدام العلماني الإسلامي المهيمن على العقل العربي الذي لا يستشعره المسلم الافريقي الذي يواجه تحديات مشابهة، في حين يمارس دينه ويعيش عصره دون إحساس بالتناقض والتعارض.
فما نلمسه في العديد من البلدان الإسلامية غير العربية، هو بروز حالة قريبة من التجربة الأمريكية، قوامها تحول المؤسسة الدينية إلى ركيزة من ركائز المجتمع المدني، تتميز بنشاطها الحيوي في الحقل العام دون التحكم في أطر إدارته وتدبيره.
ومن المعروف أن المؤسسة الشيعية استطاعت في البلدان التي توجد بها أداء دور محوري في المجتمع الأهلي دون ان تدخل في رهانات السلطة لأسباب عقدية وسياسية معقدة، قبل التجربة الإيرانية الأخيرة، (نظام ولاية الفقيه)، في الوقت الذي كرست تجربة الإمامة الزيدية في اليمن نموذجا قريبا من الإمامات السنية والأباضية. وتشكل حاليا الزوايا والطرق الصوفية مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الأهلي في البلدان الأفريقية المسلمة، دون الطموح لأداء دور سياسي مباشر.
فهل يمكن اعتبار هذا النموذج (المؤسسة الدينية كمكون رئيسي من المجتمع المدني) بديلا عن الثنائية الملتبسة القائمة بين المؤسستين الدينية والسياسية في البلاد العربية، بما تطرحه هذه الثنائية من إشكالات ايديولوجية ألمحنا إليها (الصدام الإسلامي العلماني)؟
لنبادر هنا بالتذكير في الإجابة على هذا السؤال بواقع المؤسسة الدينية التقليدية في الفضاء الإسلامي السني الذي وصفناه بالهشاشة والضعف، في مقابل صعود التيارات الإسلامية السياسية التي لا يمكن النظر إليها بصفتها امتدادا لهذه المؤسسة أو دعامة لها، بل هي أحد مكونات الحقل السياسي المعاصر، وغالبا ما تنازع الحكومات والمؤسسة الدينية الأهلية حق الاستفراد بإدارة الشأن الديني.
فهي من جهة حركية احتجاجية على ما تعتبره مسار علمنة شاملا للحياة السياسية والمجتمعية، ولكنها تساهم من جهة أخرى في تجذير هذه العلمنة الفعلية، بتحويل الالتزام الديني إلى أداة تعبئة سياسية، وعنصر من عناصر الرهان السياسي.
كما أن أنظمة الحكم تميل أحيانا إلى الاحتماء بالمؤسسة الأهلية في مواجهتها مع حركات الاحتجاج الإسلامي الدينية إلا أنها تزيد في إنهاكها وإضعافها بأثر هذا التوظيف ذاته الذي يحولها من مرجعية اجماعية إلى طرف في صراع على الشرعية الدينية والسياسية.
فهل يكون الحل هو الاستغناء عن هذه المؤسسة الضعيفة، بما يؤول إليه هذا المسلك من تأجيج لحدة الصدام القائم بين أنظمة الحكم والاتجاهات الأصولية، أم يكون بتفعيلها الذي يتطلب إصلاح وتجديد مناهجها ووسائل عملها وضمان استقلاليتها أساسا؟ ان الرد على هذا الإشكال هو بدون شك فرع من مقاربة شاملة للإصلاح الديني لا تزال في طور التشكل ولم تأخذ بعد مداها في الساحة الإسلامية حتى ولو كانت ضرورة عاجلة.
*نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية
|
