إيمان القويفلي
عيد سعيد عيد مباركعيد نوستالجي جديدلم أشاهد برامج العيد. لكنني متأكدة أن مذيعاً سخيفاً من كلّ قناةٍ التقط المايك - كما هيَ العادة السنوية - وخرج على الناس الأكبر سناً يسألهم: "كيف كان العيد زمان؟ أيهما أحسن... عيدنا الآن أم أعيادكم قديماً؟"، "لا والله يا حلو أعياد زمان. كان الناس يجتمعون منذ الصباح، ويفطرون جميعاً، ويعايدون الصغار. لكن هالأيام ما أحد يعرف أحد، والجار ما يعرف جاره، ولا..." وتـَـكـِرّ سبحة النوستالجيا إلى الماضي الجميل، ويتحوّل برنامج الاحتفال بالعيد إلى هجاءٍ مفتوحٍ للحاضر. الإعلام الذي يتعالى على رغبات الجماهير في موضوعاتٍ كثيرة؛ يستجيب خاضعاً للمزاج النوستالجي عند الكبار، الأكبر سناً، في ثقافةٍ تُعطي لعامل السن والأقدمية رتبة تقترب من حيازة الحقيقة المطلقة، فيُفسح لهم المجال في يوم العيد ليقولوا إن هذا العيد في زمن أحفادهم، سيئ ولا يقارن بما عاشوه. النوستالجيا معدية جداً، تستشري وتظهر أعراضها بسرعة في الاستغراق في مناخٍ مشتركٍ من الحنين. اللهمّ إني لم أكن أملكُ إلا التورّط في الحنين إلى زمنٍ لم أعشهُ، عندما أعدَتني جدّتي مرّة. عندما اكتشفت نعمة التقنية ولـمّا سجّـلوا لها شريط فيديو للسواني، استعادتهُ كثيرا، مرة بعد مرةً، وكلما صاح صوتُ السـّني انفرجت أساريرها كأنما تستعيد صوت الجنة. هل كان ذاك زمن الجنة حقاً؟ فرشاة الحنين عندما تضرب على أيةِ مشهدٍ في الذاكرةِ تحوّله إلى فتنة. تنزعُ عنه كل أشواكهِ التي كانت فيه وتـُبقيه وَردةَ هناءةٍ صافية وسعادةً تلامسُ حدّ الكمال. ولم يكن كذلك. لم يكن كذلك.ما استجدّ على الحالة النوستالجية هو أنها لم تعد وقفاً على الكبار جداً، ولا حتى على متوسطي العمر. وهذا أمرٌ لافت. على الإنترنت، تشيع مواد نوستالجية ذات شعبية كبيرة بين المستخدمين الشباب، وهم الفئة الغالبة على مستخدمي الإنترنت على أية حال. موضوعاتها قد تكون مضحكة للأكبر سناً - خاصة إذا قارنوها بأشياء كالسواني! - لكنها تثير حنيناً جارفاً لا يقل عن الحنين الذي تثيره السواني. الصور هي إحدى مواد النوستالجيا الشبابية الشائعة، صور المنتجات القديمة، الغذائية على الأخص، التي لم تعد موجودة، أو موجودة لكن بعبوّاتٍ مختلفة، الحليب، الحلويات، المشروبات الغازية، الحقائب المدرسية القديمة، الدفاتر المدرسية القديمة، وصور الشخصيات الكارتونية وقصص ومجلات الأطفال. وكذلك ملفات الموسيقى، موسيقى برامج الأطفال، والأغاني الوطنية القديمة، والثيمات الموسيقية للتلفزيون السعودي في زمن ما قبل الفضائيات. لا يمكن إجراء مقارنة بين الحنين إلى كارتون قديم أو حلوى قديمة؛ والحنين إلى نمطٍ من الحياة مختلفٍ جذرياً كانوا فيه يزعبون الماء من الآبار بواسطة الإبل. لكن بكل تأكيد يصح التساؤل هنا عن سرّ هذا الحنين الشبابي إلى الماضي القريب، وهو الحنين الذي يضعهم لوهلة في مقام العجائز: يَهجون الحاضر ويتنهّدون حسرة على زمنٍ فات. هل اختلفت عليهم الحياة فعلاً إلى درجة افتقادٍ الحياة القديمة وتمييزها عن الحياة الحالية؟ إذا كانت هذه النوستالجيا موجهة إلى ما قبل 20 عاماً - أي إلى الثمانينيات الميلادية - فهل صوابٌ أن تختلف الحياة خلال 20 عاماً فقط إلى درجةٍ تخلق اغتراباً عن الحاضر، وحنيناً جارفاً إلى الماضي...؟ ... وليسَ إلى الماضي فقط، قد تصبح النوستالجيا حاجة ضرورية إلى درجة الاستغراق في الحالة الحنينية لِذاتِها وحَسب. ليس إلى عصرٍ محددٍ ولا حتى إلى ذاكرةٍ شخصية أو زمن الطفولة. يصبح الحنين ذاتهُ هوَ الهَدَف. سيشعر الواحدُ بالحنين الغريب إلى أزمانٍ لم يعشها حتى وثقافاتٍ لا يَمُتّ لها بصِلة. إذا قرأ رواية لتولستوي شعر بالحنين إلى روسيا القيصرية! إذا شاهدَ مسلسلاً أندلسياً شعر بالحنين إلى الأندلس الإسلامية! إذا سمع أغنية بلوز حَـنّ إلى نيوأورليانز الخمسينات! وإذا قالت فيروز "ردّني إلى بلادي" شعر بغربةٍ ثقيلة كأن لم يكن لهُ وطنٌ قط! لا يضحكـَـنّ أحدٌ منكم. حالة الحنين هذه جادة تماماً رغم هزليتها. هي شكلٌ من أشكال التعبير عن الاحتجاج والرفض للحياة المتغيّرة التي بدورها ترفض إنسانية هذا الإنسان وتمنعه من التآلف مع أي شيء. فيستغل الإنسان قدرة هذه الحياة العصرية الغادرة على توصيلهِ بالمنتجات الثقافية المتنوّعة، وهناك ومن نافذتها التقنية يعثر على مهربٍ إلى أزمانٍ أخرى وأماكن أخرى، لا يهم ما هي، المهم أنها ليست هنا ولا الآن. حتى موضات الملابس التي شاعت خلال العقد الأخير - وليس صدفة أن يحدث هذا في العقد الأخير الذي كان زمن التحولات التقنية الحادة - لم تكن مبتكرة أو معبرة عن خصوصية زمنها، لقد كانت كلها موجاتُ ارتدادٍ إلى موضاتٍ شاعت في أزمنةٍ ماضيةٍ مُنتقاة. وعندما تلبسها تشعر - بسعادة! - أنك لست أنت. أنك تؤدّي شخصية ما في كاتالوج أزياء أو شريط سينمائي. ...هذه النوستالجيا الشبابية إحدى سمات النشأة في بيئة كبيئتنا، تتغيّر بسرعة جنونية، وهيَ مع تغيرها عديمة الخبرة وعاجزة عن ترشيد التغير وعن اختيار واستبقاء أجزاء معيّنة من الحياة ثابتة مستقرة كما هيَ، كمصدرٍ للألفة والثقة عند الناس. ما يحدث هوَ أن كل شيءٍ يُنتزع من الناس بقوة الوحش الاستهلاكي، ويُستبدل، رغماً عنهم، حيث لا قيمة لإنسانيتهم. هكذا، لم يعد هناكٍ ناجٍ من الحنين، لا صغيرَ ولا كبير، وعلاقات الألفة يتم تمزيقها آلياً كلما تكوّنت، ألفة واهية كأنها بيت عنكبوت. ليس العجائز وحدهم، يعاني حتى الشاب من النوستالجيا عندما يعيش في بيئة تفقد نفسها باستمرار، مرة بعد مرة، حتى لا تعود لها ذات. وتتحوّل الحياة إلى موسم نوستالجيا طويل.
*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية
|
