طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 11 شوال 1427هـ - 02 نوفمبر 2006م

ابن خلدون.. هو من يجب تذكره!

 

حسين شبكشي

تحتفل أكثر من دولة في العالم الإسلامي وغيره بمرور 600 عام، على وفاة العلامة المبهر ابن خلدون، أحد أهم الشخصيات المؤثرة في الفكر الاجتماعي وعلمه، ومؤسس مدرسة البحث الاجتماعي.

لقد كان عمل ابن خلدون المعروف «المقدمة» بمثابة العمل الأسطوري الذي سبق عصره وزمانه، وقدم توصيفا بالغ الدقة والحساسية عن أداء الدولة والسلطان والعلم والدين والقضاء، ومفاهيم متفرعة عن كل ذلك. والحقيقة لا بد أن يصاب المتابع لهذه الاحتفالية بالحسرة والمرارة، لاعتناء العديد من دول أوروبا كأسبانيا والبرتغال وانجلترا أو فرنسا وألمانيا بهذه المناسبة، وقيامها بتقديم الندوات والمحاضرات والدورات والكتب والمقالات عن ابن خلدون وأعماله، ونتائج هذه الأعمال، ومقابل ذلك هناك تجاهل تام للرجل وقيمته في العالم العربي والاسلامي، فهو مغيب عن المناهج، وعن الحدث العلمي والثقافي، في مقابل إبراز شخصيات اسلامية أخرى لأسباب ومبررات غير مقنعة. فلو قورنت المساحة الممنوحة لشخصية «محدث» أو مجادل كلامي مثلا، مقابل شخصية ابن خلدون لمالت الكفة بلا جدال ولا نقاش لصالح المساحة المتاحة للمحدث. طبعا ما هذا إلا مثال واحد، ولكن هناك جزما وتأكيدا أنه لو تم فتح المجال لبث ونشر فكر ابن خلدون، ومن هم مثله لكانت نسبة التسامح في ازدياد، وإحسان الظن في تقدم، وعلاقتنا بالآخر في ازدهار.
ابن خلدون كان فقيها وعالما متمكنا من دينه، ولكنه كان ذا علم واسع بلا قيد، فلم يحصر نفسه في الفقه وحده، بل انفتح على علوم الدنيا، وأبلى بلاءً مهما في العلوم الاغريقية والرومانية، وقدم طروحات بالغة الدقة وسبقت عصره وأوانه. ولعل أهمها كان ما تطرق اليه بخصوص الخصخصة، وهو فهم معاصر لدرجة كبيرة جدا، ولكنه حذر من قيام الدولة بممارسة الدور الاقتصادي وتبعيات ذلك الأمر، فاعتبر أن «التجارة مع السلطان خطأ كبير».
العالم الاسلامي حرم نفسه من نتاج العديد من مفكريه وعلمائه وجهابذته، رغبة في حصر نفسه في العلم الفقهي فقط. منظومة العلم هي منظومة متكاملة، والتعاطي مع جزيئة واحدة منها فقط يجعله ناقصا ومشوها فاتحا المجال لاستقرار الجهل والتطرف والشعوذة والخزعبلات. مفاهيم مختلفة يطالب بها العالم الاسلامي اليوم: مفاهيم كالمطالبة بالعلم والتعلم، تبادل الثقافات، تطوير العدل والقضاء، التسامح وقبول الآخر وغير ذلك.
لقد قدم ابن خلدون في مشروعه العبقري، نهجا فذا وسيرة أخلاقية لكيفية أن يكون المسلم فاعلا وفعالا في مجتمعه الانساني بمنظور حضاري فطن اليه الغرب، واعتبروا أن في فكره مفاتيح ومخارج للأزمات التي تورطت فيها الكنيسة وكرستها في شعوبها ودولها، حتى بات التطرف سمة أساسية بامتياز.
ابن خلدون لا يقل أهمية عن أي محدث أو فقيه تملأ مدائحهم مناهجنا وكتبنا العربية، ولكنه لم يمنح المساحة المطلوبة للاستفادة مما قدم، والعلوم التي قدمها لأمته وللعالم تبقى شاهدة وناطقة على أهمية فكره ونتاج ثقافته التي يتمتع بها العالم بأسره أكثر من العالم الاسلامي نفسه وفي هذه مفارقة عجيبة.
*نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط " اللندنية

عودة للأعلى