سامي شورش
نشط الأكراد خلال السنوات الثلاث التي أعقبت زوال النظام العراقي السابق بدأب وحماس، في قلب العملية السياسية في العراق. بل ان دورهم ظل أساسيا في مواجهة المخاطر، وتحمل أعباء المسؤولية والإسهام مع بقية أطياف المجتمع العراقي في معالجة المعضلات التي أعاقت استقرار العراق وأمنه. في تلك السنوات، ظل الدور الكردي مؤثرا في تجسير الفجوات بين الأطياف العراقية المختلفة، خصوصا التكوينات الدينية والعشائرية والديموقراطية في جنوب العراق ووسطه وغربه، كذلك في إقناع تلك الأطياف بالاندماج في العملية السياسية، وتجاوز المشكلات وأحقاد الماضي والتمسك بمبدأ التوافق والتسامح والحلول التسووية في ميدان العمل الوطني العراقي.
من دون شك، أخفق الأكراد في تحقيق الجزء الأعظم من تلك الأهداف العراقية التي نشطوا من أجلها. فالعراق، على الأقل حتى الآن، لم ينهض من واقعته الدموية. وأطيافه لم تتصالح سلميا كما أملوا، وبنيانه الديموقراطي لم يكتمل كما أرادوا. مع هذا، ظلوا يشعرون باعتزاز غير قليل، أنهم أول من طرح فكرة المصالحة الوطنية والى فتح حوارات وطنية بين الحكومة والقوى والعشائر، والمجموعات المعارضة التي تقف خارج دائرة الحكم.
غير أن حالة النشاط الكردي على الساحة العراقية، سرعان ما شهدت تراجعا صامتا وتحولا خفياً من حالة الانفتاح على الفضاء الوطني نحو الانكفاء على الذات القومية. صحيح، ظل عدد من قيادييهم، يشغل مواقع متقدمة في الدولة، بينهم رئيس الجمهورية جلال طالباني، ووزير الخارجية هوشيار زيباري. لكن الأصح، أن الأشهر العشرة الماضية، خصوصاً بعد إقرار الدستور الدائم، شهدت تراجعا ملحوظا في حجم الدور الكردي ومقدار نشاطه. العاصمة الإقليمية الكردية أربيل التي ظلت طوال السنوات الماضية مركزا أساسيا للقاءات المسؤولين العراقيين ومشاوراتهم مع الزعماء الأكراد، خصوصاً مع رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، تحولت الى مدينة نشطة في كرديتها ورفع علمها القومي والشروع في كتابة دستورها الإقليمي الخاص، لكن خاملة وراكدة في عراقيتها ونشاطها السياسي في بغداد. أما ممثلو التحالف الكردستاني في البرلمان العراقي والمؤسسات الحكومية، فإنهم واصلوا أداء واجباتهم والوفاء بالتزاماتهم الوطنية، لكن بحماس أقل ونشاط أضيق.
تفسر أوساط عراقية عدة هذه الظاهرة، بأنها تعبير عن حالة تاريخية من الرجفة والانكفاء والعزلة، تعتري الأكراد كلما انفجرت في أطرافهم الأهوال والمصائب التي تدفع بهم الى الانقطاع عن الآخرين، واللوذ بقمم الجبال، فيما يفسرها آخرون بأنها إشارة الى ملل سياسي انتاب الأكراد جراء استمرار حمامات الدم، وأعمال العنف في العراق. وفريق ثالث يؤكد أن الظاهرة لها صلة قوية باشتداد النزعة الانفصالية لدى الأكراد، خصوصاً مع تصاعد العنف الطائفي، وتردي الحالة الأمنية في بغداد. فيما يرى آخرون أن الدول الإقليمية، خصوصاً إيران وتركيا، تمارس ضغطاً خفياً على الحكومة العراقية للحد من النشاط الكردي في تفصيلات المشهد العراقي.
غير أن الأكراد أنفسهم، يرفضون تفسيرات كهذه، ويشيرون بدلا عنها الى أسباب أخرى غير عوامل التاريخ والانفصال والعنف الطائفي، مشددين على أن القسم الأكبر من الأسباب الحقيقية التي تدفع بهم نحو الانكفاء والتراجع، يرتبط أساسا بمواقف عراقية فحواها اللامبالاة والمماطلة، وسياسات التسويف التي تبديها الحكومة، تجاه تطبيق البنود الخاصة بالحقوق الكردية في الدستور. والأرجح أن الأميركيين شعروا في الأسابيع القليلة الماضية، خصوصاً بعد قرارهم مراجعة سياساتهم وأساليب عملهم في العراق، شعروا بتراجع الدور الكردي وفتور حيويته، لهذا سارع سفيرهم في بغداد زلماي خليلزاد الى زيارة كردستان العراق والالتقاء بزعمائه وحثهم على مشاركة أكثر فاعلية في دعم الخطط الأميركية، وجهود رئيس الوزراء نوري المالكي على طريق مواجهة الإرهاب والمصالحة الوطنية وإنجاح العملية السياسية في العراق.
في الواقع، لا تتوفر معلومات أكيدة عن ملامح الرد الكردي على طلب خليلزاد. لكن المسؤولين الأكراد لا يخفون، في جلساتهم الخاصة، تذمرهم من سياسات محددة لحكومة المالكي، مؤكدين أنهم لن يتخلوا عن دعم المالكي ولن يوجهوا انتقادات علنية إليه، لكنهم لن ينشطوا على طريق إنجاح خططه وبرامجه الأساسية ما لم ينشط هو بدوره في دعم الاستحقاقات الدستورية للأكراد في العراق. في هذا المنحى، قد تصح الإشارة الى ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء حالة الفتور التي أصبحت تعتري أجواء العلاقات بين الحالة الكردية وحكومة المالكي:
الأول، التأخير الحاصل في التنفيذ الحكومي لبرامج التطبيع الخاصة بمدينة كركوك النفطية المتنازع عليها، وفي مقدمتها البرنامج المتعلق بإزالة آثار سياسات التطهير العرقي، وتغيير البنية القومية لسكان المدينة في عهد الأنظمة السابقة. هذا في الوقت الذي حدد فيه الدستور سقفا زمنيا لتطبيقات البرنامج لا يتجاوز نهاية العام المقبل. يعتقد الأكراد أن الذرائع التي تسوقها الحكومة العراقية لتبرير التأخير والتأجيل، في ملف كركوك، منها سوء الأحوال الأمنية وضعف أداء الحكومة ومحدودية إمكانياتها المالية، إنما هي، في حقيقتها، محاولة لكسب الوقت وتسويف الموضوع.
السبب الثاني، يتمثل في التلاعب الحاصل في الميزانية المالية المخصصة للمنطقة الكردية من عائدات النفط العراقي، إضافة الى النقاش الذي تثيره وزارة النفط العراقية، حول عدم شرعية العقود التي توقعها حكومة إقليم كردستان العراق مع شركات أجنبية لاستخراج النفط في مناطق غير مستثمرة في كردستان. في هذا الإطار، تؤكد السلطات الكردية أن وزارة النفط في بغداد تعرقل، من جهة، حق السلطات الكردية في التوقيع على عقود نفطية يجيزها الدستور. وتقلص، من جهة ثانية، النسبة المتفق عليها، وهي 17 في المائة، المخصصة للمدن الكردية الثلاث (أربيل، السليمانية، ودهوك) من عائدات النفط العراقي الى 8 في المائة، وذلك بعد استقطاعات غير واقعية وغير مبررة. في الوقت ذاته، تلح الوزارة العراقية على احتساب الحصة الكردية على أساس 26 دولارا للبرميل الواحد، فيما أسعار النفط في الأسواق العالمية تتجاوز في حالات كثيرة سقف 70 دولارا للبرميل الواحد.
أما السبب الثالث، فيتمثل في التشكيك الحاصل في الفيدرالية التي تتمتع بها المناطق الكردية. واللافت أن هذا التشكيك الذي يترافق مع دعوات الى مراجعة الدستور الدائم، يأتي في إطار الجهود الجارية لاستكمال عملية المصالحة الوطنية التي دعا إليها الأكراد منذ سنوات. ورغم أن الانتقادات الموجهة للفيدرالية (وهي في الغالب انتقادات صادرة من مجموعات سنية عربية) تمس في الجوهر مطالب الشيعة العراقيين، إلا أن رفض مبدأ إعادة بناء العراق على أساس فيدرالي، في حد ذاته، يطال الفيدرالية الكردية ويناقض الدستور الذي يجب أن تكون الحكومة أول المدافعين عن شرعيته. في الواقع، لا يخفي الأكراد قدرتهم على لعب دور أكثر حيوية في مساعدة حكومة بغداد في تنشيط العملية السياسية، ودفع المصالحة الوطنية الى الأمام والإسهام مع الحكومة وأجهزتها الأمنية في معالجة ملفات الإرهاب والعنف الطائفي، خارج المناطق الكردية خصوصاً في كركوك والموصل وديالى. فهم يشكلون نحو ربع سكان العراق، ومناطقهم تتمتع باستقرار أمني واقتصادي لافتين. كما أن قادتهم يتمتعون بعلاقات قوية مع مختلف التكوينات المذهبية. هذا إضافة الى علاقاتهم المميزة مع الولايات المتحدة وعلاقاتهم المتوازنة مع الدول الإقليمية. لكن الأكراد، يشددون على أن أمرا كهذا، يتطلب إزالة المخاوف الكردية، وتنفيذ ما وعدهم به الدستور العراقي، خصوصاً في ملفات كركوك وعقود النفط والحصة المالية.
*نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية
|
