طبـاعة


حفـظ


ارسال
السبت 04 ذو القعدة 1427هـ - 25 نوفمبر 2006م

التفسير النسوي للقرآن الكريم !

 

مسعود صبري

أبادر القول : إن القرآن ليس ذكوريا ولا أنثويا ، إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى لعباده وخلقه جميعا، رجالا ونساء ، وليست هناك تفرقة بين الجنسين في هذا، وحين تنادي بعض النساء إلى إنشاء مجلس نسائي لتفسير القرآن الكريم ، فهن يقعن في الخطأ ، والذي يرين أن الرجال وقعن فيه، فما الفارق بين التفسير الذكوري والتفسير الأنثوي؟ إننا بحاجة إلى انضباط في منهج تفسير القرآن الكريم، وليكن المفسر ما يكون، ليكن رجلا ذا شارب ولحية، أو لتكن أنثى بغطاء رأس، إن الناس تلهث وراء كل نعرة كاذبة، وتضيع الحق حيث أرادت أن تحييه، فما دخل الذكورة والأنوثة بتفسير كلام رب العالمين؟!

إننا نخطئ من يزعم أن هناك علما شرعيا خاصا بالرجال، أو أن هناك علما شرعيا خاصا بالنساء ، أو هناك تفسيرا ذكوريا وآخر نسويا لأية قضية شرعية، فالشرع من الله للجميع، ويتساوى فيه الرجل والمرأة، وهذه المساواة تعني إذابة الحديث عن الفصل بين الجنسين، ولو كان من النساء، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" النساء شقائق الرجال" ، وهذا يعني إغلاق قضية التسلط الذكوري والنداء بتسلط أنثوي، لأن هذا يعني أن الرجال سيقومون بحملة مضادة تعيد للرجل مكانته ، ثم تقوم النساء مرة أخرى، لتعيد حلبة الصراع إليهن، ويبتعد الناس عن الحق ساعتها بسبب الفهم المشوش لدين الله تعالى ، والدين من كل ذلك براء .
إن الخطأ لا يعالج بالخطأ، بل يعالج بمنهج القرآن الكريم، الذي يدعو إلى نبذ الجنسية كوصف للمفارقة بين الرجال والنساء، فالكل أمام الله سواء، إننا لا نجد مكانا للتفرقة في أبين آيات الله تعالى ، فالقرآن يركز على قبول العمل الصالح أيا كان فاعله ، كما قال سبحانه في عدد من الآيات منها قوله : (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وقوله جل شأنه :(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)،و قوله سبحانه :( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقوله سبحانه :( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) .إن تفسير القرآن الكريم له شروط وآداب، فمن امتلك الشروط، وتحلى بالآداب فهو أهل لتفسير كلام الله تعالى. إننا ينبغي أن نبحث عن الحق ذاته لا عن غيره، فقد كان العهد الأول من زمن النبوة يجمع هذا التعاون بين الرجال والنساء، كان موجودا في غالب الأمور، ففي المسجد خلف النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرجال والنساء، وفي دروس العلم الرجال والنساء، وفي الحرب والجهاد والقتال رجال ونساء، وفي العمل رجال ونساء، وكما تفوق في العلم رجال، تفوقت نساء ، فقد كانت أمهات المؤمنين وغيرهن من النساء فقيهات وعالمات ومفسرات للقرآن، وهناك تفسير عائشة رضي الله عنها، وتفسير أم سلمة وغيرهما من النساء، وفي العصر الحديث كان للدكتورة بنت الشاطئ جهد مشكور في هذا، وللسيدة زينت الغزالي كتاب قيم في تفسير القرآن ، وهناك عدد غير قليل ممن يدرس تفسير القرآن الكريم في الكليات الشرعية في العالم العربي والإسلامي، بل إن علم الجرح والتعديل والذي يعرف بعلم الرجال كان للنساء فيه نصيب وافر ، وسطر التاريخ عددا غير قليل من النساء اللائي كن أساتذة لأعلام من علماء الأمة كابن حجر وابن حزم وابن الجوزي وغيرهم.
إن المطلوب في تفسير القرآن هو ألا يحيد عن الطريق، وألا يفسر حسب الأهواء ، سواء أكان هذا الهوى سياسيا أم اجتماعيا أم جنسيا ، ولتكن مشاركة المرأة فعالة مع إخوانها من العلماء الرجال، كما كانت عالمات الأمة من قبلها ، فتدخل المرأة الميدان بوصف العلم لا بوصف الأنثى، المهم أن تمتلك الأدوات، حتى تكون أهلا للتفسير.إننا نعيب على من يفسر القرآن بالهوى دون أن يمتلك الأدوات ، كما أنه يجب علينا أن نعيب تفسير القرآن من ناحية الجنس ذكرا أو أنثى، فميدان العلم مفتوح للناس جميعا، وكليات الشريعة وأصول الدين والدعوة يدخلها الرجال والنساء، بل أحب أن ألفت الانتباه أن المتخصصين في تفسير القرآن الكريم والذين يمتلكون ملكة التفسير وأدواته هم نذر قليل ، ولو نظرنا إلى تاريخ أمتنا لنرى عدد المفسرين مقارنا بعدد الفقهاء مثلا لما وجدنا وجها للمقارنة ، وبدلا من أن نجري وراء أجندات غربية حتى نزيل ما وصم به الإسلام من معاداة المرأة كان الأجدر بنا أن نشجع أبناءنا وبناتنا إلى التكوين الصحيح في العلوم ومنها العلوم الشرعية بوجه عام، وعلم التفسير بوجه خاص، وأن يراعى فيه المشاركة شبابا وفتيات ، فننشئ جيلا من علماء الأمة – رجالا ونساء – يمتلك أدوات العلم النافع، ليدفع الناس إلى العمل الصالح، وأن نبحث عن جذور المشكلة الأساسية ، فغالب الذين يدرسون علم الشريعة وٍأصول الدين هم من أقل الناس ذكاء، أما الأذكياء فتنتظرهم دراسة الطب والهندسة والتكنولوجيا والاتصالات والإعلام ، ويبقى المتخصصون في علوم الشريعة هم من أقل الناس علما في المجتمع، إلا من استطاع أن ينهض بنفسه بشكل فردي.
إن الخطأ يجب أن يوقف له بالمرصاد وأن يصوب من باب إسداء النصح وحمل الأمانة، وأخطأ الخطإ ألا تعرف الأمة إلى أن تسير، بل إن فعلها يكون رد فعل لبعض النداءات التي لا يظن فيها الإخلاص، إرضاء لتوجه في دول ينعمون فيها بالعيش، ولو كانت النية صالحة، فالنية وحدها غير كافية، ويا ليتنا ندرك ما نريد ، وماذا نفعل حتى يمكن لنا أن نصحح ولو شيئا قليلا في مسيرة حياتنا، وأن نخطو خطوة نحو التفاعل الحضاري لأمتنا ولمن يعيش معنا على وجه الأرض من إخوة الإنسانية.

عودة للأعلى