د.
شاكر النابلسي
من المفيد جداً أن يتصدى الأدب ـ وخاصة الرواية لما يمتاز به بناؤها من سعة وقدرة على استيعاب الكثير من الأفكار ـ لتفاصيل الواقع وقضاياه، وعلى رأسها ظاهرة الإرهاب في العالم العربي، وظاهرة الجماعات الإسلامية التي اختطفت الدين الحنيف، وجعلت منه ظلماً وبهتاناً مطية لشعارات سياسية، وخطابات إيديولوجية، بعيدة كل البعد عن روح الدين ورسالته في الأخلاق، والسلوك الإنساني الرفيع والقويم.
وتناوُل الرواية العربية لظاهرة الإرهاب، وخاصة الرواية السعودية منها والتي بدأت تحتل مكانة أدبية رفيعة في خارطة الرواية العربية، وضع الإرهاب كظاهرة على منصة التشريح الأدبي، وهو خير تشريح يمكن أن يخرج بنتائج إيجابية وصحيحة لأية ظاهرة من ظواهر المجتمع. فالرواية العربية في مصر على سبيل المثال هي التي استطاعت تشريح الظاهرة السياسية الديكتاتورية في عهد عبد الناصر، أفضل بكثير مما شرّحتها وحللتها معظم الكتابات السياسية والتاريخية التي صدرت في ذلك العهد، وبعد ذلك العهد.
وما زلنا نتذكر حتى الآن الأثر الكبير الذي تركته رواية "الكرنك"، و"الشحاذ"، و"السمان والخريف"، و"ثرثرة فوق النيل"، لنجيب محفوظ، و"العسكري الأسود"، و"قصة حب"، و"قاع المدينة" ليوسف إدريس، وكافة روايات إميل حبيبي وغسان كنفاني، وإبراهيم نصر الله ومؤنس الرزاز، وغالب هلسا، وعبد الرحمن منيف، والطاهر وطار، وإلياس خوري، وغيرهم. مما دعا مستشرقاً فرنسياً شهيراً كجاك بيرك ليقول: "إن أفضل ما يُقرأ عن صدق ونزاهة تاريخ العرب الحديث، هو الرواية العربية."
إن موقع الرواية السعودية، في تصوري، سيكون على هذا النحو من الأهمية. فكلنا مدعوون بمن فينا السياسيون من صُنّاع القرار إلى قراءة الرواية العربية السياسية، لكي نعرف الوجه الآخر للقراءات السياسية للوقائع اليومية. فقراءة التحليل السياسي اليومي للوقائع غير كافية، وغير مفيدة تماماً بالمطلق، لأن هذه التحاليل تخضع لعدة عوامل أثناء كتابتها، تحول بينها وبين بلوغ درجة عالية من الصدقية، واقترابها من نور الحقيقة. في حين أن الرواية تتم كتابتها بعد اختمار الحدث في أرض الواقع، وفي وجدان الناس، وتخلص الحدث من العواطف والانفعالات، ودخوله عارياً من الإيديولوجيات، وخالياً من أية تأثيرات خارجية إلى رحاب التاريخ. وهذا ما قرأناه في روايات تركي الحمد، وغازي القصيبي وآخرين، على المستوى السعودي المحلي.
رواية الروائي السعودي عبد الله ثابت "الإرهابي 20"، من الروايات العربية السعودية السياسية المهمة. والتي ستكون مهمة أكثر مستقبلاً. فكلما بعُدت المسافة بين الوقائع الحياتية والرؤية الروائية ازدادت الرواية السياسية أهمية. ولعل أهمية هذه الرواية تكمن في صدقها وواقعية تجربة كاتبها، من حيث إن الكاتب هو من أهل الجنوب، ومن منطقة عسير، وكتب - على ما يبدو - عن تجربته الطلابية الحية الخاصة في هذه المنطقة. ولكنه لم ينقل الواقع نقلاً فوتوجرافياً، بعين الكاميرا، وإلا أصبح ما كتبه تحقيقاً صحافياً، وإنما صوّره تصويراً روائياً فنياً، فيه الكثير من الواقعية السحرية، رغم ما ينقصه من بعض الأدوات الفنية، التي سنتحدث عنها لاحقاً.
سوف أترك تعليقي النقدي الأدبي المحض على هذه الرواية إلى النهاية. حيث إن مضمون هذه الرواية والجرأة التي تناولت فيها هذه الرواية موضوعها، وهو "أسرار تنشئة الإرهاب" يطغى على الجوانب الفنية في هذه الرواية. سوف أتحدث الآن عن أهمية المضمون لهذه الرواية.
فهذه الرواية هي أول رواية في المكتبة العربية - على حد علمي ومتابعتي المتواضعة لإصدارات الرواية العربية - تصف واقعياً وعملياً، كيف تصير تهيئة الإرهابي لكي يكون إرهابيا. الخيال التقليدي المستهجَن في هذه الرواية قليل جداً. ورغم ذلك، فهذه الرواية فيها الكثير من الواقعية السحرية التي تحدث عنها جارسيا ماركيز، وكتب بنهجها معظم رواياته العالمية، وفاز بها بجائزة نوبل. وعبد الله ثابت، وضع إصبعه بقوة وشجاعة في هذه الرواية على الجرح الحقيقي الغائر، وعلى المنبع المتدفق للإرهاب، ليس في المملكة العربية السعودية فقط ولكن في العالم العربي والإسلامي ككل. فرغم الطوفان الهائل من الدراسات، والأبحاث، والمحاضرات، والأوراق العلمية والتاريخية والاجتماعية، التي تحدثت عن دور المدرسة، ودور التعليم في تنشئة براعم شبابية، تكون قابلة مستقبلاً لتنفيذ عمليات إرهابية، إلا أن معظمنا لم يقتنع بهذه الطروحات، أو لا يريد أن يقتنع بها.
ولكن هذه الرواية بواقعيتها السحرية، أقنعتنا، وتستطيع أن تُقنع كل من يقرأها، بأن قوى الأرض كلها لن تستطيع أن تقضي على الإرهاب، مهما أُوتيت من مال وسلاح وعلم وذكاء، ما لم يُصر إلى تجفيف منابع الإرهاب، بدءاً من المدرسة، التي لا شك بأنها مُختَرقة اختراقاً كبيراً، من قبل كثير من المدرسين المتشددين، الذين قال عن بعضهم تركي الحمد في لقاء تلفزيوني إنهم يُدرّسون مناهج دولة "طالبان" وتعاليمها، عندما ذهب إلى المدرسة التي يدرُس فيها أحد أبنائه، ليتحقق من أمر ما.
إذن، مهما حاولنا إصلاح التعليم، وحذف ما يمكن حذفه، وإضافة ما يمكن إضافته في المناهج، فذلك عبث لا طائل من ورائه، وهو قبض ريح، ونفخ في قربة مثقوبة، وصراخ في وادٍ، لن يفيد كثيراً، فيما لو علمنا أن المعلم المُختَرق من قبل فكر بعض الجماعات الدينية، يضع الكتاب جانباً، ويضع المنهاج جانباً، ويُلقن الطلبة، ما هو مُناط به من قبل جماعته أن يُلقنهم. فهو حاكم الفصل المدرسي المطلق، وسيده. وله أن يقول فيه ما يشاء خطابُ الجماعة. ومن هنا نرى، أن مشكلتنا ليست - بالدرجة الأولى - كامنة في المنهاج القائم، والكتاب المدرسي، ولكن مشكلتنا الأساسية في المُعلّم، وكيفية تربية المُعلّم، ومقاييس اختياره. فقبل أن نُربي النشء، علينا بالالتفات والاهتمام الشديد بتربية وتأهيل المُعلّم، وهذا ما قامت به معظم الدول التي تقدمت وفازت، وحققت طموحاتها في التنمية والازدهار.فالمُعلّم، ثم المُعلّم، ثم المُعلّم.
التفاصيل التي تحدثت عنها رواية "الإرهابي 20"، لميكانيزم إعداد الإرهابي، تفاصيل مذهلة، ولكنها ليست كاذبة أو خيالية. علماً بأن الكذب في الأدب هو الصدق الفني، والخيال في الأدب هو الواقع الفني. ولكن هذه الرواية بسحرها الواقعي، جعلت من الواقع الفوتوغرافي، أدباً روائياً مقاوماً للفناء والنسيان.
رواية عبد الله ثابت "الإرهابي 20"، تحكي لنا تفاصيل كيفية تنشِئة وتربية الإرهابي القادم، المؤهل والمستعد للقيام بالمهمة الإرهابية القادمة، من الألف إلى الياء، ومن البداية إلى النهاية. وهذه التربية والتنشئة لا تتم على سطح القمر، أو في الربع الخالي، بعيداً عن أعين الرقباء، ولكنها تتم تحت ضوء الشمس، وفي رابعة النهار.
إنها تتم داخلنا، في مدارسنا، في بيوتنا، في مخيماتنا الصيفية الطلابية، وفي داخل فصولنا الدراسية، ومن قبل أساتذتنا، وفي صفحات نصوصنا المدرسية. ونحن لا نستورد هذه "التكنولوجيا" المتقدمة في صناعة الإرهاب من الخارج، كما نستورد سياراتنا، وملابسنا، وطعامنا، وشرابنا، وعطورنا، ولكن عقولنا الغائبة والمغيّبة، وإهمالنا لما يجري في مدارسنا، وفي مخيماتنا الطلابية، تحت ستار التربية الدينية، وتحت قناع التنشئة الإصلاحية التقويمية، ومحاربة القيم والسلوكيات الدخيلة، هي التي تفتّقت عن اختراع هذه "التكنولوجيا" المتقدمة في صناعة الإرهابي، والتي وصفها عبد الله ثابت في هذه الرواية، وصفاً دقيقاً ومفصلاً، وكأنه كان يكتب يومياته أيام كان طالباً. فقبل هذا "التقدم التكنولوجي" المذهل في صناعة الإرهابي، الذي تم وصفه في هذه الرواية، واختراق هذه "التكنولوجيا" للمدارس والمدرسين، وللمناهج والمعارج، والمخيمات والنشاطات، كانت عسير، وكانت المملكة العربية السعودية، والعالم العربي والإسلامي، تنعم بالراحة والطمأنينة، وتُمنّي النفس بالتقدم والازدهار. وكانت منطقة عسير، رغم صعوبة العيش فيها في الماضي، وقسوة الحياة، مقبلة غير مدبرة على الحياة، تسعى إلى النور وتفر من الظلام. وكانت كما وصفها عبد الله ثابت في روايته: "مجتمعنا الجنوبي كان جميلاً، ميالاً للموسيقى، وحكايات الحب فيه التي لا تنتهي. لقد عاش الناس هنا حياة شفافة ورقيقة وفطرية، رغم بدائيتها. كان هذا قبل أن يأتي عرفٌ آخر، الذي حرّم كل شيء، وجعله عاراً".
ومن هنا يبدأ عبد الله ثابت. ومن هنا نبدأ معه قصة معرفة "تكنولوجيا" الإرهاب، ونقرأ دليل: "الهادي في صناعة الإرهابي".لم ننته بعد من حديثنا عن هذه الرواية المهمة شكلاً ومضموناً، وسنواصل بتفصيل أكثر. ولكن تبقى رواية "الإرهابي 20"، بمثابة دليل "الهادي في صناعة الإرهابي". وهي وثيقة أدبية، جديرة بأن تُقرأ وتُدرّس في مدارسنا كنص أدبي تنويري، لو كنا مدركين لمدى خطورة ما يجري في مدارسنا ومخيماتنا الطلابية، وعالمين بعدد وحجم "الفنيين" العاملين في مصانع "تكنولوجيا" الإرهاب هذه، والذين يرتدون أقنعة المدرسين والموجهين التربويين.
*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية
|
