طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 23 ذو القعدة 1427هـ - 14 ديسمبر 2006م

دكتوراه في التكفير..!

 

د.  فتحي عبد الفتاح

أخيراً وصلنا إلي قمة المد الأصولي الارهابيوأي كارثة أكبر من أن تشهد قاعات العلم والمعرفة في الجامعات المصرية والتي من المفترض أن تكون بوتقة لتخرج الكوادر العلمية المتخصصة في مجالات الفكر والعمل المختلفة. رسالة دكتوراه يكفر فيها مجلة روزاليوسف وصاحبتها وكتابها. وبمعني آخر يكفر كل العاملين في الصحافة والفكر.

ويشترك في هذه الجريمة النكراء وهي جريمة بالفعل اساتذة في الجامعة بل ويجيزون الرسالة ويحدث هذا في مصر التي كانت أم الدنيا وحاضرتها في يوم من الأيام وفي القرن الواحد والعشرين وفي عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة التي تغير الكثير من أوراق الماضي ومقولاته وقيمه مع تأكيد علي روعة العقل وإنسانية الإنسان.
نعم إني اطالب بمحاكمة ديمقراطية لهذا الطالب الصغير ولأساتذته الذين أشرفوا علي تخرساته ومنحوه الدكتوراه في كلية أصول الدين "فرع المنوفية" لأنها انحراف شامل عن المنهج الجامعي وعودة إلي أساليب القرون الوسطي حينما كان البعض يعطي لنفسه الحق بالتحدث باسم السماء لتكفير من يريد ولمنح صكوك الغفران والجنة لمن يريد. وروز اليوسف المجلة وصاحبتها وكتابها منذ نشأت في آواخر العشرينيات وحتي اليوم هي جزء من التراث المصري الأصيل الذي نعتز به وتصوروا أن يخرج لنا ديناصور صغير من بئر الجهل والكراهية المظلم ليكفر مجلة لها تاريخها الوطني والديمقراطي. وكانت ومازالت تمثل مدرسة صحفية كبري لتخريج عدد كبير من الكتاب والمفكرين والفنانين الذين نفخر ونعتز بهم ابتداء من السيدة العظيمة روزاليوسف نفسها وابنها الرائع احسان عبدالقدوس حتي أحمد بهاء الدين وفتحي غانم وصلاح حافظ وحسن فؤاد وزهدي وجمال كامل وعبدالرحمن الشرقاوي وكامل زهيري وعشرات غيرهم.. كما أنها مازالت تغني الحياة السياسية والثقافية والفنية المعاصرة أيا كان الخلاف أو الاتفاق معها. إن التكفير هنا لاينصب علي روزاليوسف وحدها بل هو تكفير للفكر الحر وللصحافة وللفن. وحري بكل الصحفيين والكتاب علي اختلاف مشاربهم ومدارسهم السياسية والفكرية فضح وكشف هذه الديناصورات القاتلة التي لم يكن لها في يوم من الايام تراث مصري. بل هي وافدة من مجتمعات صحراوية بدوية وقبلية. لقد شهدت قاعات الجامعات المصرية رسائل جامعية عظيمة ناقشت دور الصحافة المصرية في المجتمع وتاريخها المشرف والرائد في الشرق الأوسط كله. كما ناقشت هذه الرسائل حرية الرأي والتعبير والحرية الفكرية كما عكستها الصحافة المصرية تاريخيا وإلي أي مدي كانت الصحافة منحازة إلي قضايا الجماهير. والتضحيات الهائلة التي بذلها الصحفيون والكتاب المصريون دفاعاً عن مصالح الجماهير الحقيقية.
ولعل آخر هذه الدراسات الرسالة التي ناقشتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عن دور الصحافة المصرية في محاربة الفساد وكانت روزاليوسف وكتابها ودورها الوطني والديمقراطي أحد الامثلة المشرفة. وفي السنوات الأخيرة قدمت دراسات الماجستير والدكتوراه في كليات الإعلام حول قضايا العصر ومساحة الحرية في الصحافة المصرية والثورة العلمية والتكنولوجية وانعكاسها وايضا الصحافة المقروءة ومستقبلها في ظل وجود الفضائيات والانترنت وكلها قضايا تغني وتثري العمل الصحفي والفكري وتسعي إلي ان تلحق مصر مثلما كانت دائماً بركب التقدم الحضاري والعلمي والثقافي. أما أن تخرج علينا كلية أصول الدين التابعة لجامعة الأزهر برسالة تدين وتكفر مجلة لها تاريخها المشرف في الصحافة المصرية وكتابها معتمدة علي منهج وهابي أصولي هو في حقيقته حصاد للدين والحياة وأن يجيز الاساتذة هذه الرسالة ويمنحون صاحبها الدكتوراه فالأمر هناك لايتعلق برأي قد نختلف أو نتفق عليه ومطروح للمناقشة ولكنه يتعلق بمنهج أصولي معاد لحرية الرأي يزعم لنفسه انه يملك الحقيقة المطلقة ويتكلم باسم السماء حتي يصل الأمر إلي تكفير من يختلف معهم.
أفهم ان يناقش أي باحث دور كاتب أو مجلة أو جريدة وموقفها الاجتماعي في اليسار أو الوسط أو اليمين. وافهم أحق هذا الباحث تصنيف هذا الكاتب أو تلك المجلة أو الصحيفة من وجهة نظره ودورها الوطني والقومي والديمقراطي ويختلف أو يتفق؟ ولكن ان نستخدم سلاح التكفير مثلك جريمة كبري. وتعني أن فيروس التخلف قد وصل فعلا إلي النخاع.
والغريب ان يلزم شيخ الأزهر بالصمت وكذلك مفتي الديار ولجنة الإفتاء في حين ينشغلون أحيانا بل وكثيراً بأمور شكلية لاتمس جوهر الدين الحقيقي مثل المعركة التي أثارها المفتي حول تحريم وتجريم التماثيل.
فحين نتهم الصحافة والصحفيين والكتاب والمفكرين في مصر بالكفر والخروج علي شرع الله. وفي رسالة دكتوراه تجاز في جامعة الأزهر فإن علينا أن نحك رءوسنا بعنف لنطرح الكثير من الاسئلة الحرجة والشائكة ليس فقط حول جامعة الأزهر بل حول دور المؤسسة الدينية.
ولعلي أذكر وأتذكر في هذه المناسبة اثنين من أحب المفكرين المقربين إلي قلبي وعقلي محمد عبده وطه حسين أولهما أبحر في الدين بروح العالم المجدد ودعا إلي اجتهاد تعتمد علي الدين والعقل ومواجهة ما تطرحه الحياة المعاصرة من تحديات فكل مافيه خير الخلق ثمة شرع الله هكذا قالها الامام ومفتي الديار المصرية منذ مائة عام. والثاني قاد ثورة ثقافية طوال تاريخه رافعا لواء العقل والعلم والدين طامحا في بناء مجتمع متحضر قادر علي الابتكار والابداع والمنافسة.
وكلاهما واجه في اندفاعاته الفكرية الاولي اثناء الدراسة في الأزهر مشاكل وعقبات محمد عبده واجه الشيخ عليش الذي كان مشهوراً بعصبيته وضيق افقه ورميه الناس بالكفر لمجرد الاختلاف معه في الرأي حتي أنه كان مصراً علي حرمان محمد عبده من شهادة العالمية بل رماه بالزندقة ولكن الشيخ حسن الطويل النموذج المشرف لمدرسة الأزهر الحقيقية أنقذ محمد عبده واضاف بذلك إلي التراث الإسلامي جوهرة حقيقية مازالت تشع حتي الآن بنورها الحضاري.
وطه حسين وقف إلي جانبه الشيخ المرصفي لينقذه من حكم ظالم صادر عن الشيخ المهدي الذي لم يعرف من العلم والإيمان سوي فتوي محفوظة من خرج علي لفظ فيها فهو مارق وآبق وملعون! ولقد حاول أن يحرم طه حسين من الشهادة تحت دعوي أنه أعمي البصر والبصيرة.
ويبدو أن كلية أصول الدين وأساتذتها الذين أشرفوا علي رسالة تكفير الصحافة والكتاب!! عادوا إلي استكمال دائرة شريرة أطاحت بمصر والعالم العربي. ومصر علي وجه خاص لقتل ومحاصرة أي إبداع أو دفن واجهاض أي محاولة لتخريج محمد عبده آخر أو طه حسين آخر وفرض نمط الشيخ عليش والشيخ المهدي.
لقد بدأت هذه الدائرة الشريرة بأعمال إرهابية سافرة قتلت فرج فوده وكفرت نصر حامد أبوزيد وحاولت اغتيال نجيب محفوظ وكلها تحت دعاوي تكفير مستوردة من مجتمعات صحراوية بدوية كانت ومازالت رغم الثروات البترولية التي تملكها تعيش في مناخ قبلي تعود جذوره الي ما قبل عصر الرأسمالية.
ومعركة الحجاب الكبري التي أثيرت في مجلس الشعب من جانب عدد كبير من نواب الاخوان والوطني وقبلها معركة رواية حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر وطلبات الاحاطة المتكررة عن السينما والمسرح والباليه والتي كان آخرها طلب إحاطة قدمه نائب أخواني عن ملابس ممثلتنا الرائعة يسرا واخرجها من الله. وهذا الشيخ النصاب والمحامي الفاشل اللذان يرفعان قضايا ضد الكتاب والمفكرين والصحفيين واتهامهم بالكفر.
كل ذلك يعكس مناخا ضبابيا معاديا للعقل والمنطق والتقدم بل والدين ويلعب في نفس الوقت دور حصان طروادة واغراء قوي الاستعمار والصهيونية للعربدة في المنطقة ونظيره إلي مايجري في العراق ولبنان وفلسطين والسودان من صراعات عرقية وقبلية ومذهبية ناهيك عن الصومال ومحاكمها الشرعية.
وأحسب أن علي الصحفيين والكتاب والمفكرين في مصر علي اختلاف الوانهم وأجيالهم ومدارسهم بمن في ذلك من يطلقون علي أنفسهم بأنهم مفكرون إسلاميون ان يعلنوا غضبة حقيقية إزاء تلك الجريمة الجديدة. جريمة تكفير الصحافة والصحفيين في مصر. وتكفير روزاليوسف وكتابها وتاريخها يعني ذلك قولاً وعملاً.. *نقلا عن جريدة "الجمهورية" المصرية

عودة للأعلى