ثريا الشهري
ماذا يجري في الدول من حولنا؟ تساؤل متشعب أحاول الإجابة عنه من خلال الحديث عن «بعض» الأمور المعنية بالدين والسياسة، فنحن لم نتعرف على معنى الشورى بما يفيد الديمقراطية إلا على ضوء اكتشافنا لنظريات السلطة الحديثة، ووسائل التعامل بها، فلم يحصل لفقيه أن انطلق، من مفهوم الشورى ليصل إلى بلورة فكرة نظام سياسي قائم على تحديد السلطة، والسبب في ذلك طبعاً أن المجتمع الإسلامي كان يعيش في بداياته مناخ الدين في صورته المختلفة عما هو عليه الوضع الآن، والذي كانت كلمة الشورى فيه تؤلف مفهوماً دينياً مرتبطاً بالتربية الأخلاقية المعني بها كل مؤمن فرد، وليس على أساس توجيهها للسلطة أو لبناء قيادة محددة للدين أو الدولة، فكانت الشورى مبدأ وقيمة أخلاقية، ومن أجل تحويل المبدأ والقيمة إلى نظرية، فإن الأمر يحتاج إلى كل المناخ العلمي الجديد، والحال أن التعامل مع السلطة من حيث الوعي والممارسة، على المستويين: الشعبي والرسمي، كان يعتمد على مجرد التحكم بها، اعتقاداً بأن السلطة منذ البداية أداة ووسيلة بيد الدين، والأداة لا قيمة لها، ولكن القيمة في من يستخدمها، وعليه، ولأن الدين ليس فيه نظرية دولة، ولأن الدولة أضيفت إلى الدين، ولأن الدين ما كان له أن يشرع للدولة دون اعترافه بأن المراهنة على الإيمان والإحسان والجهاد والتضحية غير كافية للخلاص، أو بعبارة أخرى، لتحقيق الاستقرار والبناء الاجتماعي الشامل، حَرَم الفكر الإسلامي نفسه من التبحر في عالم السلطة منذ اللحظة التي اعتبر فيها أن ليس للدولة ماهية مستقلة ومتميزة، وبسبب ذلك افتقد المجتمع الإسلامي القدرة على تدجين الدولة إن صح التعبير، فالتحكم والتأهيل يحتاج إلى تحليل للآليات والمشاكل والعلاقات والتداولات، ولأنه لم تُفهم آلية عمل الدولة كما ينبغي، تحولت إلى قوة غامضة أقرب ما تكون إلى مفهوم العصبية الخلدوني، بل وأمكن لها بعد أن صدرت بقرار من الدين أن تصبح قوة سلب واستلاب للمجتمع والدين معاً، وما نظريات السياسة الإسلامية سوى محاولات لوضع شروط شكلية، لمجتمع فاقد المبادرة إزاء هذه الدولة.
إن القبول العام بالتصور القديم للدولة كذراع حديدي، هو الذي يفسر الحديث عن دولة عقائدية، كما لو أن تركيبة الدولة ليس لها في ذاتها قوام ونظام، ولكنها تستلهمهما من خارجها، وهذا يعني أننا لم نفهم بعد ماذا تعني الدولة، ولا أدري من أين أتت حكاية «السلطة الدينية»! فحتى الدولة في العهود الأولى لم تدع أنها صاحبة هذا النوع من السلطات، إنما كانت وسيطة بين جماعة المسلمين والعالم، وليس بينها وبين الله، والواقع أن نظرية الدولة لا يمكن أن تتألف بمعزل عن صياغة نظرية السياسة بما تشتمل عليه من تعامل بالدين والدنيا، أما الالتباس العميق والمبدئي في السياسة الإسلامية بين الأهداف والحوافز الدينية، والأهداف والحوافز السياسية، فهو السبب الذي منع الانفراج والتوصل إلى اتفاق أو تفاهم دائم على مر السنين، والذي كان الانشقاق الديني ثمناً لهذا الالتباس ومصدره.
أوضح مثال على غياب نظرية محددة في الولاية اختلاف المذاهب حول مفهوم الإمامة، حيث استمدت القيادة السياسية عند الشيعة من الإمامة الدينية والروحية القائمة على الصلة المباشرة للإمام بالنبوة وذرية الرسول، كما ارتبطت عند الخوارج بمعنى الاجتهاد لكل مسلم عاقل بصرف النظر عن أصله أو نسبه، بينما ذهب أهل السنة والجماعة إلى نوع من الحل الوسط، حرروا فيه السلطة من الولاية الدينية والروحية، وأبقوا على الشروط الشرعية الأخرى، ولكن إذا كانت جميع المذاهب والفرق الإسلامية أو أغلبها قد اتفقت على وجوب الإمامة كما يقول ابن حزم، الذي جعل منها واجباً دينياً، غير أن هذا الوجوب لم يكن يعني أبداً القول بوجود نظرية إسلامية للإمامة والسياسة، ولكنه قصد فقط حاجة الدين إليها، فمفهوم الدولة بما هي تنظيم داخلي للسلطات وطريقة عمل مع المجتمع وتداول للسلطة وتحقيق لبرنامج سياسي، لم يكن مطروحاً، لأن الدولة لم تكن إلا امتداداً للإمام أو السلطان، حتى صارت الدولة جزءاً من المؤسسة الدينية وتعويضاً لها عن غياب سلطتها المستقلة، والواقع أن الدولة لم تنجح في إخضاع السلطة الدينية إلا بقدر ما أعلنت هي نفسها خضوعها للدين
ومع هذا، وعندما شعر العلماء والفقهاء بخطر الدولة منذ صدامهم الأول معها في بداية عصر الأمويين، دفعهم حذرهم وانعدام ثقتهم إلى التمييز بين الخلافة الراشدة، حيث الدولة الإسلامية كما يريدونها، وبين الملْك الذي خلفها دون أن يكون إسلامياً كما يرونه، فكان عداؤهم الكبير لهذا الملْك ولهذه السلطة، بالرغم من اندراجهم تحتها، حتى انهم قدموا عنها أكثر الصور سلبية، وكان لهم في ذلك مصلحة مزدوجة: تدعيم موقعهم في المجتمع والسياسة كمركز للشرعية الدينية والأخلاقية، وإفراغ الدولة من كل شرعية أو أخلاقية حتى تضطر إلى الاعتماد عليهم كوسيط للجماعة، فيكونوا بعملهم هذا، وبقدر ما دعموا الدين كمرجع اجتماعي ـ سياسي، قد تركوا الدولة تتطور خارج القانون، ومنعوها أن تنتج من ذاتها قانون سلطتها المستقل، والدولة حين تعيش على قيم ومبادئ تفرض عليها من خارجها، لا تتشكل فيها السياسة كممارسة خاصة، كما أنه وبقدر ما تنمو السلطة السياسية في حجر الدين كفقه وعقيدة وشعارات، تضعف الدولة كمفاوضة ومنظمة لمختلف المصالح، والتي لا تتعرض للانهيار بسبب إفلاسها من القيم والرؤى، ولكن العكس، بسبب عجزها عن تحقيق هذه القيم من جراء تجميدها. كلمة أخيرة:أخطر مشكلة يمكن أن يعاني منها الدين ومن ثم المجتمع نفسه، أن يصبح سجين المصالح الخاصة، الرسمية وغير الرسمية، فلا بد أن يعيد في هذه الحالة تاريخ كنيسة القرون الوسطى، فيتحول إلى مذهبية متعصبة ومغلقة تخفي غياب الإيمان وإن تدثرت به، وتنكر الفساد وهي التي تقتات عليه.
* نقلا عن صحيفة " الشرق الأوسط " اللندنية
|
