طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأربعاء 07 ذو الحجة 1427هـ - 27 ديسمبر 2006م

رأي خليجي في الازمة الايرانية

 

داود الشريان

قبل تصويت مجلس الامن على عقوبات على ايران بسبب رفضها تعليق نشاطاتها النووية الحساسة، كان الناس هنا في منطقة الخليج يقدرون احتمالين لنهاية أزمة ملف ايران النووي: إما ان تقدم واشنطن على ضرب المنشآت النووية الايرانية على طريقة قصف اسرائيل لبرنامج صدام حسين «اوزيراك»، بالاضافة الى تدمير المنشآت الحيوية التي تضمن تأخير عجلة التنمية في ايران لعشرات السنين، او أن ايران ستنجح في التسويف والمماطلة الى ان تستطيع الاعلان عن امتلاكها السلاح النووي وتضع المجتمع الدولي امام الامر الواقع. لكن صدور قرار العقوبات اضاف احتمالاً ثالثاً عند بعض اهل الخليج، وهو ان التصويت فتح المجال لمعاودة تفاهم ايراني-اميركي حول الازمة.

وسبب بروز هذا الاحتمال الغريب يعود الى سبيين في نظر بعضهم، الاول ان قرار العقوبات استثناء النفط يعني ان طهران ستبقى قادرة على المناورة وشراء الوقت والمواقف الدولية لمصلحتها، فضلاً عن ان استبعاد النفط يعني ان ما جرى مجرد ورقة سياسية لتعديل الوضع التفاوضي بين طهران وواشنطن لمصلحة الاخيرة، وليس من اجل وقف العملية السياسية والدخول الى مرحلة المواجهة. والسبب الثاني يعود الى طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية. فبعض اهل الخليج يرى ان العلاقة بين طهران وواشنطن شديدة التعقيد والغموض، ويصعب تصنيفها بسهولة، وأنها حافظت على مدى نصف قرن على مبدأ المصالح المشتركة على رغم كل ما اعتراها ويعتريها من توتر بلغ مداه عشية قيام الثورة الاسلامية. فايران كانت تمسك بشعرة معاوية في علاقتها مع واشنطن، رغم انها لا تحبه، ويمكن القول ان العلاقة بين الطرفين كانت على الدوام انتهازية لا تقيم أي وزن للمبادئ، كما تدعي ايران. ويخلص هؤلاء الى ان الازمة الراهنة ربما انتهت لمصلحة ايران اذا وجدت واشنطن ان ايران ستكون مفيدة لها كما كانت على الدوام.
لا شك في ان هذا التفسير الغريب يخضع الازمة للموقف الاميركي المتورط في العراق، وينظر الى العلاقات الاميركية الايرانية وكأنها تعيش في مرحلة النصف الثاني من القرن الماضي. لكن الظروف اليوم تغيرت. فالدول العربية التي كانت تقف مع المعسكر الشيوعي وتناصب «القوى الامبريالية» العداء وتعيش حالة حرب مع اسرائيل لم تعد كذلك، وايران التي كانت تعترف باسرائيل، ولا تربطها ادنى علاقة بالصراع العربي الاسرائيلي، اصبحت الآن لاعباً مهماً في هذا الصراع، ليس حبا بعيون الفلسطنيين والعرب، وانما من اجل تحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة، وكسب اوراق سياسية لفرض شروطها وتحسين وضعها التفاوضي مع الولايات المتحدة، فضلاً عن أن العراق عاود وبقوة تشكيل العلاقة التقليدية بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية. فايران بعد تطلعاتها النووية وبروز اطماعها في العراق، وتدخلها في لبنان وسورية وفلسطين، ودعمها للمنظمات والاحزاب الدينية، لم تعد في نظر الاميركيين الجندي الذي يؤمر فيطيع. لقد اصبحت ايران اليوم تشكل تهديداً حقيقياً للمصالح الاميركية في المنطقة، فبروزها كقوة نووية وتحالفها مع القوى الدولية الصاعدة، يجعل من الصعب الرهان على مرحلة الود المستتر بينها وبين الولايات المتحدة لمعالجة الازمة الراهنة. فالود الانتهازي بين البلدين كان قائماً حين كانت طهران تلعب دور الاجير، أما اليوم فان الاجير تمرد واصبح يعمل لحسابه او لحساب آخرين، وبات من الضروري لجم طموحاتة اياً كان الثمن.
الاكيد ان الدول العربية تستطيع ان تلعب دوراً مهماً في هذه الازمة من خلال التحرك بفاعلية في الساحة العراقية، ومواجهة الاطماع الايرانية في العراق، وابعاد هذا التحرك عن مظلة ما يسمى بدول الجوار. فهذه الصيغة فرضتها واشنطن من اجل تحييد الجميع، او ابعادهم عن مشروعها في العراق، وهي صيغة ثبت فشلها منذ اليوم الاول لانها تعامل ايران كدولة محايدة وهي ليست كذلك. والأمر الآخر هو وقف الاختراق الايراني للصف العربي على المستويين السياسي والاعلامي، والتحرك بجدية لمواجهة الطابور الخامس الداعم لايران على مستوى الدول والمؤسسات وحتى النخب التي تعتقد وهماً أو عمالةً ان ايران تلعب هذا الدور من منطلقات وطنية و اسلامية، وافساح المجال للحديث بوضوح عن الخطر الفارسي الذي نجحت الثورة الاسلامية في تغييبه، رغم انه هدف استرتيجي لايران الدولة بصرف النظر عمّن يحكمها. فالوقت حان لكشف التزييف الذي تمارسه ايران باسم الاسلام، والاهم هنا عدم تمكينها من اللعب على وتر الطائفية والتفريق بين العرب بإشعال فتنة بين السنة والشيعة من اجل سيادة الدولة الفارسية.
*نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية

عودة للأعلى