د.
ياسر الزعاترة
منذ فوزها في الانتخابات لم يتوقف السيد نايف حواتمة عن استهداف حركة المقاومة الإسلامية حماس: أحياناً بشكل مباشر ، وأحياناً بقدر من التذاكي ، وفي كلا الحالتين بتحامل ليس فيه الكثير من المنطق ، اللهم سوى المواقف المسبقة القائمة على مشاعر لا حاجة إلى البحث في تفسيراتها لأن العقلاء يعرفونها تمام المعرفة. يشار هنا إلى أن السيد نايف حواتمة يتزعم تنظيماً اسمه (الجبهة الديمقراطية) لم يحصل في الانتخابات سوى على رقم مجهري لا يتجاوز واحدا ونصف في المئة من الأصوات في أحسن التقديرات مع مقعد واحد من بين (120) في المجلس التشريعي ، فيما حصلت حماس على (73).
واللافت أن حماس ، وطوال الشهور الماضية لم تحمّل نفسها عناء الرد على افتراءات السيد حواتمة ، ليس لعجزها أو ضعف حجتها ، ولكن لأنها لا تشعر بالحاجة إلى ذلك ، والمعارك الهامشية كثيراً ما تضيع الوقت والجهد من دون فائدة تذكر. في الأسابيع الأخيرة حاول السيد حواتمة ضم حركة فتح إلى ذات مربع الهجاء مع حماس على خلفية الاقتتال الذي وقع في قطاع غزة ، لكن القارىء لم يكن في حاجة إلى كبير عناء كي يكتشف الفارق بين الموقفين ، أي الموقف الحاد من حركة حماس مقابل الموقف الناعم من حركة فتح ، وذلك خلافاً لمواقف الفصائل الأخرى الأكثر حضوراً وأهمية ، وعلى رأسها حركة الجهاد والجبهة الشعبية اللتين كانتا تدعوان إلى التوافق من دون تجاهل معادلة الوضع القائم على الأرض ممثلة في وجود حكومة وقوم يخرجون عليها بصرف النظر عن مبرراتهم. لآن ، وعلى خلفية اتفاق مكة لم يجد السيد حواتمة في الاتفاق ما يستحق الترحيب ، بل ذهب يركز على الشراكة السياسية بين الفصائل ، بدل المحاصصة بين حماس وفتح ، ما ينطوي على مطالبة التنظيمين الكبيرين بتقديم عدد من الحقائب الوزارية للديمقراطية كي تكون الشراكة حقيقية ، لاسيما أن الجبهة الشعبية والجهاد قد اعتذرتا عن المشاركة.
هل يعقل أن يكون هذا المنطق هو منطق الشراكة السياسية بالفعل؟ وهل تشكل الحكومات في العالم أجمع وفق هذا المنطق الذي يساوي بين الشركاء بصرف النظر عن حصتهم في الشارع وفي البرلمان؟ أم أن للشراكة منطقها المختلف الذي يعرفه العقلاء في كل مكان؟، لنتجاهل ذلك ونعد إلى لون آخر من الهجاء الذي لم يتوقف السيد حواتمة عن ممارسته ضد حركة حماس ، ممثلاً في حكاية التسوية والمفاوضات التي يقول إن الحركة تجريها سراً مع الأوروبيين ، على خلفية ما عرف بوثيقة أحمد يوسف. يشار هنا إلى أن السيد حواتمة كان أول من ضرب الثوابت وكسر الحواجز في القضية الفلسطينية حين دشن فكرة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 67 ، وليتبناها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وحركة فتح بعد ذلك.
والنتيجة هي أن الرجل هو صاحب أول التنازلات في تاريخ القضية وعليه أن يتذكر ذلك على الدوام. أما الوثيقة المشار إليها ، والتي تاجر بها طوال الأسابيع الماضية ، فكانت بلا قيمة في واقع الأمر ، ولم يعد أحد يتذكرها سواه. لا يحدث ذلك لأن حماس قد نفت علاقتها بها ، بصرف النظر عن آلية إنتاجها ، بل أيضاً لأن الإسرائيليين لا يمكن أن يقبلوا بها ، بل ولا حتى بوثيقة جنيف التي هي أسوأ بمئة مرة ، ما يعني أن القصة لا تعدو أن تكون لعبة تشويه لا أكثر ولا أقل.
لقد وجد الرجل ضالته ، ولسان حاله يقول: إن التنازلات ليست حكراً على أحد ، وإنما يمارسها الجميع ، متجاهلاً أن حماس لم تعترف بالاحتلال وأنها تدفع ثمن ذلك وما زالت تدفع. لا ندافع هنا عن حماس ، فما يقوله الرجل لا يمسها بكثير سوء ، لكننا نشير إلى لون من ألوان النكاية السياسية التي تزدحم بها الساحة الفلسطينية ، ليس هذه الأيام ، بل منذ عقود ، والتاريخ شاهد،، *نقلا عن "الدستور" الأردنية
|
