مسعود صبري
تابعت ما نشرته الناشطة نوني درويش عبر العربية، وأنها تركت الجامع في أمريكا؛ لأنها وجدت أن إرهابيين يستولون عليه، وأنها ذهبت للكنيسة لتسمع المحبة، وأنها تدافع عن إسرائيل، وتحمل العرب توقف التعايش السلمي مع هذه الدولة الصغيرة على حد تعبيرها. وأنا بداية أتفهم ماذا يعني حب الناس للسلام، وكرههم للإرهاب، خاصة في الدول الغربية، وهو شيء فطري في حياة الناس، ولكن الذي يجب أن ينوه عليه أن الإرهاب لا دين له، بل إن تعاليم ديننا تجعل " الإرهاب" بالمفهوم المعاصر، وهو الاعتداء المسلح على الناس سلوك محرم، يعاقب فاعله عند الله تعالى، وعند الناس أيضا، نجد هذا في دستور القرآن " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
بل يقرر القرآن الاشتراك الإنساني في العيش السلمي والتنموي بين البشر جميعا، ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)، بل يطالب الله تعالى الناس – باختلاف عقائدهم وأجناسهم- أن يعمروا الأرض حتى يهيئوا لأنفسهم حياة كريمة ومناخا صالحا، كما قال:" واستعمركم فيها".
إننا نؤمن أن التكريم الإلهي لبني البشر لا لأجل عقائدهم، ولكن لأجل إنسانيتهم ، لأنهم نفخة من روح الله تعالى، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجمع الناس كلهم على الأرض مع اختلاف العقائد والأديان.
ولهذا أقول للأستاذة ناني درويش ما تركك الإسلام، لأن الإسلام أنصع من أن يدنس بأفعال خارجة عن الحق، أو تخالف الفطرة الإنسانية النقية، ولكنه في ذات الوقت يسمح للمعتدى عليهم أن يردوا الاعتداء ، وألا يكونوا بادئين، ففكرة الجهاد قائمة على دفع الظلم ضد الظالم، ولو كان الظلم يدفع سلميا فهو أولى من القتال، لأن القتال ليس مقصودا لذاته في الإسلام، كما قال تعالى :" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله".
ويجب أن نفرق بين الممارسات والعقائد، فالممارسة بشرية لا تنسب للدين، وإنما تنسب لمن قام بها، ولو كان بناء على فهم عقيدة ودين.
ولكن الذي أتعجب منه تصوير الأستاذة ناني أن الإسلام هو مصدر الإرهاب، وكأن أتباع المسيحية واليهودية لم يقوموا بمخالفات للكتاب المقدس، فماذا يعني الطغيان البيزنطي عبر التاريخ، وماذا تعني الحروب الصليبية، وماذا تعني الحرب العالمية الأولى والثانية واحتلال الغرب للدول العربية، وماذا يعني الاحتلال السلمي الذي لا يترك للدول أن تقرر مصيرها، بل لابد من مراعاة السيد المطاع، وإلا فهو يوقن توابع هذا الاستقلال..
ومع كل هذا، فنحن نعتبر كل اعتداء على الإنسان هو جريمة محرمة بعيدا عن دينه أو وطنه أو عرضه، هو يتنافى مع سنة الله في التعايش السلمي بين بني البشر.
وفي تصوري أن الاعتقاد لا ارتباط بينه وبين الأشخاص، فهل نحاسب الانحلال الأخلاقي –مثلا- من المسيحيين واليهود- على أن هذا من تعاليم المسيحية أو تعاليم اليهود؟؟ وهل كل المساجد بأمريكا تتبنى خطاب الإرهاب أم أنه خطأ موجود عند البعض وليس موجودا عند الآخرين..إن المسجد – يا أستاذة ناني- كان ومازال رمز السلام، ونحن بحاجة أن تكون كل دور العبادة للأديان كلها رمزا للسلام الإنساني، بل أطالبك بالذهاب للمساجد التي تتبنى الفهم الراشد لتعاليم الإسلام، وأن تجتهدي في تصحيح بعض ما ترينه خطأ، فلأن نصحح خطأ الآخرين، خير من أن نأخذ جانبا منهم، فالتصحيح والحوار دور مطلوب منا جميعا بدلا من الانزواء والابتعاد.
أما الدفاع عن إسرائيل وتحميل العرب السبب في توقف عجلة السلام، فلا أدري ما أقول لك، لكن أطالبك بمراجعة التاريخ، ومراجعة أقوال الساسة المنصفين في الغرب،وأطالبك بمراجعة تاريخ الوالد الشهيد، فكما فرقت بين الإرهاب والاستشهاد في حالة والدك، فأرجو أن تفرقي أيضا في حالات كثير ممن يمدون يدهم للسلام، وتأبى إسرائيل إلا العنف والإرهاب، ولا أدري لماذا نستحي من الحديث عن الإرهاب الأمريكي والإرهاب الإسرائيلي للعالم كله، إن من الصواب أن ننظر للحقائق بعين التجرد،وأن نحكم على الخطأ أيا كان مصدره، وأن نسدي النصح للجميع، سواء أكانوا قريبين منا أم بعيدين، سواء أكان يجمع الدين أو الوطن أو الانتماء إلى الإنسانية، لكني أحب أن يكون كل في موضعه الأصيل، وأن نتواصل مع الجميع.
|
