حسام عيتاني
ملاحظة سريعة يمكن الخروج بها من الحدثين الانتخابيين العربيين في اليومين الماضيين: الديموقراطية تتقدم في الأطراف وتتراجع في المركز. هذا ما تُنبئنا به الانتخابات الرئاسية في موريتانيا والاستفتاء على التعديلات الدستورية في مصر. ومع الإقرار بضرورة بقاء التجربة الموريتانية قيد المتابعة بسبب الضمانات التي يقال ان العسكريين قد حصلوا عليها مقابل تسليمهم للسلطة، اي استمرار تأثيرهم المباشر في القرار السياسي، الا ان الخطوط العريضة للانتخابات تفيد بأن خطوة الى الامام قد تحققت: نسبة مقبولة من المشاركة (67 في المئة). نسبة معقولة من الاصوات للمرشح الفائز (85,52 في المئة). ولعل الأهم هو تناول المرشحين لعدد من القضايا اعتبرت من المحرمات في الأعوام السابقة (تهجير ذوي الاصول الافريقية في الثمانينات والتسعينات، ممارسة الرق برغم الحظر الرسمي، المخاوف مع عودة الديكاتورية بأقنعة جديدة...). ما من شيء مشابه للمناخ هذا في مصر. التعابير المستخدمة من قبل المعارضة في وصف كيفية الاعداد لتمرير تعديل يطال 34 مادة من مواد الدستور تشي، في اقل تقدير، باقتراب مصر خطوة اضافية نحو اعلان افلاسها السياسي والثقافي الشامل. ويمكن للمرء ابداء الدهشة حيال قدرة مجلس الشعب على تمرير كل التعديلات لمواد بالغة الحساسية يتعلق بعضها بالسمات القانونية الأساسية لمصر، في غضون ثلاثة ايام وساعات معدودة. وباتت معلومة تلك المواد الدستورية التي تمنح الأجهزة الامنية سلطات لا حدود لها وتضعها في موضع المتحكم بحياة وموت المواطن المصري بذريعة محاربة الارهاب وتغير الوظيفة التقليدية التي تؤديها المؤسسة العسكرية في المجتمع المصري، هذا الى جانب محاولة بائسة لتطويق التيار الديني لن تكون نتيجتها الا حض الاسلاميين على ممارسة العنف بعد الاقفال المحكم لأي شكل من اشكال التعبير السياسي في وجوههم. وهي تعديلات سارعت السلطة الى طرحها على الاستفتاء العام قبل مرور اسبوع على اقرارها في الهيئة التشريعية فيما يطالب الحس السليم والبسيط بمهلة زمنية حتى تجري مناقشة حقيقية لتعديلات بهذه الخطورة في اوساط الرأي العام ووسائل الاعلام وقطاعات القانونيين وكل المعنيين بمستقبل مصر. السرعة المستغربة هذه، تمنح المزيد من المصداقية لروايات المعارضة عن الاسلوب الذي تم به تدبير التعديلات ودور صفقة صريحة بين بعض رموز رأس المال الاحتكاري (الراغب بالانقلاب على ما تبقى من انجازات ثورة يوليو 52) وبين من يعدون العدة للتوريث. هذا بعض قليل من أوجه المأساة التي يدفع الشعب المصري اليها دفعا. وتكاد الدمعة تقفز من العين عند قراءة التحقيقات الصحافية الواردة عن أحوال سكان منطقة قلعة الكبش العشوائية التي تعرضت لعدد من الحرائق يسود الاعتقاد انها متعمدة من أجل الاستيلاء على الاراضي هناك وإقامة مجمعات تجارية، تصب ارباحها، حكما، في جيوب المستفيدين من التعديلات الدستورية وحلفائهم. لم تنقص الوقاحة السلطات ممثلة بحزبها الحاكم، دعوة سكان المنطقة المقيمين على رماد منازلهم لافتقارهم الى المكان الصالح لإيوائهم واطفالهم، الى الاقتراع «بنعم» للتعديلات الدستورية التي «تشكل خطوة في الاتجاه الصحيح» بحسب رئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم جمال مبارك والموعود بتولي الرئاسة بعد وفاة والده، أمدّ الله في عمره. لا يحتاج القارئ الى تمعن في معنى كلام السيد مبارك الابن لادراك ان «الاتجاه الصحيح» ليس الا الاتجاه نحو تنصيبه رئيسا ليكرس سُنّة الجمهوريات الوراثية في هذا العالم العربي البائس. وإذا كان تحسنا نسبيا في مستوى الديموقراطية في موريتانيا قد حصل يوم أمس، فهو لا يشير لا من قريب ولا من بعيد الى ان ساعة نهاية الدولة البوليسية العربية قد اقتربت. بل يمكن، بثقة، القول ان الدول العربية لا تجد مناصا من ترسيخ صفاتها القمعية، كل منها وفقا للذريعة الملائمة: حماية البلاد من خطر الارهاب في مصر. التصدي للهجمة الاميركية ـ الاسرائيلية في سوريا. منع الوصاية الدولية في السودان الملوثة ايدي حكامه بدماء مواطنيهم في دارفور... عليه، فإن «التاسع من ثيرميدور» الذي شهدته مصر أمس، اي ذلك الانقلاب المحافظ واليميني (الرجعي) على الحد الادنى من السمات الديموقراطية للحياة السياسية في مصر تمهيدا لتولي السيد جمال مبارك مكان ابيه، مرشح للتكرار بعنف أكبر في العديد من دول العالم العربي يشبه في ناحية واحدة صيغة نابوليون الثالث «للثامن عشر من برومير». انها ناحية المهزلة المحرجة لكل من يعتبر نفسه صاحب قضية عادلة في بلاد العرب. ... أما في بلاد العالم، فقد كان يوم أمس يوما تاريخيا بكل المقاييس في ايرلندا الشمالية التي حققت فيها المجموعتان المتصارعتان منذ قرون، خطوة سلمية ديموقراطية نحو المشاركة في الحكم. هذا للعلم فقط.
* نقلا عن صحيفة "السفير" اللبنانية
|
