طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 08 ربيع الأول 1428هـ - 27 مارس 2007م

كلما أنبت الزمان قناة ..

 

مشاري الذايدي

كم كان المتنبي، صادقا وهو يقول:

كلما أنبت الزمان قناة - ركب المرء للقناة سنانا !
الإنسان هو الذي يمنح الأشياء هويتها، ويوجه مسار الأحداث، الإنسان بكل ما يحمله من أطماع ومخاوف، وبكل ما يقبع في وجدانه من عقائد. والمضحك ـ المبكي أنه دوما يفعل هذا الشيء، ودوما يشكو منه. ونعني بالانسان هنا، الانسان القادر الذي يملك التأثير في الشأن العام، أهل السياسة وأهل المال، وأهل العقائد والآيديولوجيات، والبقية الدائرة في فلكهم.
لنترك التعميم، وندخل إلى التخصيص، هؤلاء العرب، وهم يحتشدون اليوم في الرياض في قمة تعقد في جو كئيب من الحروب، ومشاريع الحروب، والتوتر، كلٌ أتى ومعه ليلاه، كلٌ أتى وهو يطمع في تجيير القمة العربية الى صالح أجندته الخاصة، فالسوري يريد دعما، بدون شروط، والفلسطيني يأتي وأمامه مبادرة الملك عبد الله للسلام العربي مع اسرائيل، وهي هذه المرة، وبعد سنوات مهدرة، تحظى بدعم اكبر. والعراقي، يطمح إلى مساعدة عربية، بعد أن ضاعت الحيلة واصبحت القنابل تهطل حتى في المنطقة الخضراء، وفوق رأس أمين عام الأمم المتحدة.
«بلاوي» وملفات صعبة بلا شك، ولكن السؤال الذي لم يجب عليه منذ عشرات السنين: لماذا يتكرر الخطأ، نفس الخطأ، كل مرة، ثم تتكرر الشكوى، نفس الشكوى، كل مرة، ثم تطرح الحلول، نفس الحلول، كل مرة، ثم تشوه هذه الحلول، نفس التشويه، كل مرة.
ألم يتعب العرب من هذا الدوران حول النفس ؟! ألم تستنفد طاقة المغالطة، وتأتي لحظة الهدوء وترك الضجيج ومواجهة النفس.
الأمر لا يقتصر على حل المشكلة الفلسطينية، رغم أن مبادرة السلام العربية تنص صراحة على ان العرب كلهم سيطبعون مع اسرائيل في مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها منذ 1967 الى جانب قيام دولة فلسطينية مستقلة وتسوية مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وهي لغة واضحة وجريئة ومسؤولة، ومن المؤكد أنها ستجابه بلغة التخوين، أو ستواجه بحيل تعطيلية، ولكن هل لدى أحد آخر حل حقيقي غير هذا ؟
الأمر، كما قلنا، لا يقتصر على المشكل الفلسطيني، وتحدي توفير الدعم له، خصوصا من حماس، التي قيل إن قائدها خالد مشعل تعهد في زيارته الأخيرة للرياض بموافقته عليها، الأمر الذي يعني موافقة حماس على دولة فلسطينية «نهائية» في حدود 1967. وهذه مسألة مهمة، لكن ليس هذا مكان الحديث عنها.
فهناك مشكلات معقدة، وساخنة، وأكثرها كآبة على الاطلاق المشكلة العراقية، كيف يوقف هذا الصراع المدمر بين العراقيين، كيف توقف إيران عن عبثها الخطير، وكيف يرحل الأمريكان، وكيف يبقى العراق موحدا بعد هذه الأحقاد والدماء والجرائم الطائفية بين الجميع؟ قبل ايام فقط شهدت منطقة الحصوة، شمال الحلة، نموذجا مثاليا من هذه الجرائم المركبة في العراق، حيث قامت مجموعة يعتقد انها تابعة للقاعدة بتفجير حسينية تابعة لمجموعة مقتدى الصدر، ثم اثناء التشييع حصل هجوم آخر على الموكب، وفي نفس الأثناء هجوم على مقر للحزب الاسلامي السني في هذه المنطقة، بسبب اتهامات المتشددين السنة للحزب بالعمل ضدهم، أي ضد القاعدة ومن يميل الى وصفتها «الاصولية» للحل.. وهكذا تدور ساقية الكراهية، وتتداخل الدماء، ويمتزج القاتل بالقتيل، لتصبح الصورة كما رسمتها ريشة المبدع الراحل محمود كحيل، ذات حزن: مجموعة من العرب يدورن في حلقة خلف بعضهم، وكل شخص يحمل سكينا يطعن فيها من أمامه، وهو مطعون في نفس الوقت ممن خلفه !
وفي نفس هذه الحلقة التراجيدية، يأتي الهجوم الانتحاري على نائب رئيس الوزراء العراقي سلام الزوبعي من قبل شخص من حمايته، أطلقه الزوبعي نفسه قبل فترة من السجن بعد اتهامه بالانتماء للقاعدة، وضمه إلى حراسته، ثم لم يلبث الحارس أن فجّر نفسه بمحروسه وولي نعمته، في صورة عبثية تلخص الحال في العراق، لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قُتل، إلا ما يقال للقاتل من قبل قادة القتلة، والحالبين لضرع البقرة الانتحارية من ساسة العراق وجيرانه؟
هذه البلاوي، والكلام، والشعارات التي تجتذب الدم، وباعة الدم، هي نفسها التي اجتذبت أسلافهم من قبل، وعلى مذبحها تشحطت بدمائها أحلام زاهية بالتنمية والسلام.
قبل أيام حدثني احد أصدقائي في السعودية قائلا: هل تذكر فلان الفلاني؟ قلت: نعم أذكره. قال: هل تذكر ولده فلان؟ قلت: نعم، واذكر كيف كان صبيا ذكيا ومؤدبا هو يأتي للسلام . قال صديقي بنبرة حزينة: لقد كبر الصبي وأصبح شابا مراهقا، وقد ودّع أمه قبل أكثر من أسبوع، بحجة الذهاب لنزهة برية، ثم غاب عدة أيام، ليتصل بأمه، قائلا: أنا في العراق، وسأذهب للجنة بعد قليل، وأحببت ان أودعك، ثم انتهت المكالمة. وقلب الأم في كربة ما بعدها كربة، وأخيرا أتاها الاتصال الأسود المعتاد: نهنئك ! ابنك قام بعملية استشهادية !
الصبي لما يبلغ بعد الثامنة عشرة أو السابعة عشرة.
إنه مثال حزين من عشرات الأمثلة على ما فعلته النار العراقية بالجميع، هذه النار التي طال لهبها قلب أم بريئة في أعماق السعودية، فجعت ببكرها الذي قيل له «أحرق جسدك في سبيل الجهاد في سبيل الله» ففعل، وأحرق معه قلب أمه، وأحرق ايضا، مشروع انسان ناجح كان يمكن ان يصنع شيئا مفيدا لنفسه ومجتمعه. وغداً سيجتمع العراقيون، بمن فيهم من يتحدث الآن عن الجهاد ويتغنى به، مع بعضهم، ويتصالحون، ولن ينجح أبو عمر البغدادي، الذي اعلن نفسه أميرا للإمارة الإسلامية في الأنبار، كما لن ينجح الحكيم أو الصدر (الهارب) في إقامة دولتهم الشيعية، لكن الشبان الذين قدموا أنفسهم قربانا على مذابح الطرفين لن يدركوا هذه اللحظة التي يرون فيهم كيف ذهبت دماؤهم على مشاريع لم تحصل، ولن تحصل.
لا ألوم مشايخ العنف والتحريض، ولا ألوم قنوات التهييج وكتاب الفتنة، ولا ألوم دولا ترسل أو تمرر دبابير الموت وأسراب الانتحاريين لمصالحها الخاصة الضيقة، لا ألوم كل هؤلاء، فجريمتهم اكبر من اللوم، ولكن ما يستحق الوقوف عنده طويلا، هو هذه القابلية العالية لدى المجتمعات العربية والإسلامية على الاندراج في المشاريع العدمية، كل مرة، وكأن لديهم مخزونا أكبر من الاستيعاب، مخزونا من الرغبة في الفناء، يتدفق كلما سنحت سانحة هنا أو هناك، ورفعت يافطة دينية أو غير دينية تدعو الراغبين في الفناء إلى الاشتراك في هذه الحفلة.
في أفغانستان، قيل للشباب العرب «قاتلوا، وموتوا، فالأمر يستحق» فماتوا، واتضح ان الأمر لا يستحق. في اريتريا، قيل ذلك أيضا، وها هي اريتريا، بعد كل الذخيرة من دماء الشباب، ليست إمارة إسلامية، وفي الصومال التي تغنى بها بن لادن طويلا، تركها خرابا تضم في صحاريها أشلاء الشباب المتحرق للفناء من اجل مشاريع الخلاص الملحمية، وفي البوسنة، التي كانت تقدم في خيال الشباب، باعتبارها منطلقا لغزو أوربا الصليبية ! ها هي تضيق ببقاياهم ذرعا.
والآن، ها هو العراق يقدم بوصفه منطلقا لإقامة الإمارة الإسلامية الموعودة، فمن المسؤول عن هذا التكرار المدمر لحكاية الموت هذه والخيارات العدمية هذه ؟ هل هو العجز عن كسر دائرة التفكير النمطي السائد لدى العرب والمسلمين ؟ وهل نحن بحاجة إلى رجال شجعان يعدلون الصورة المقلوبة، ويقولون للعاري في وجهه: «أنت بلا ثياب»؟.
بكلمة واحدة : ماذا نحتاج أكثر، حتى نقتنع انه لا مناص من دفن الخطاب القديم، وإنشاء خطاب جديد، يحب الحياة؟ ومتى يتغير هذا التعليم «السيئ» السائد في العالم العربي، متى يتغير؟ أتحدث عن التعليم العربي «السيء» وهي كلمة مخففة من كلمة السيد عمرو موسى الذي قال عنه قبيل القمة إنه «زفت».
ما نقوله أصعب وأبعد بخطوات مما سيطرح في القمة الأخيرة، ولكن بما ان العرب قالوا إنهم «خلاص» مع المبادرة العربية غير القابلة للتعديل والتبديل، فهل سيكون هذا القبول بهذه المبادرة، الواقعية واللانمطية، مقدمة «صغيرة» في اختراق بينة التفكير المنغلق والمكرر في حل المشكلات العربية، هذه البنية القائمة منذ حوالي القرن، والتي ما زال العقل العربي يسبح في بركها ؟!
نرجو ذلك، ونرجو أن لا تصبح الأجندة الخاصة لكل طرف ذريعة لإعاقة أي نمو طبيعي في التفكير الواقعي والعملي.. إلا إذا كانت بعض الدول العربية، مثل سوريا «العروبة»، أو القوى الإقليمية، مثل إيران «الإسلامية»، مستفيدة من بقاء المشكلة في فلسطين والعراق أكثر مما هي مستفيدة من حلها.
لهؤلاء، قال المتنبي، حكيم العرب، والعارف بهم جيدا:
ومراد النفوس أهون من أن
نتعادى فيه أو نتفانى!
* نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية

عودة للأعلى