طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأربعاء 16 ربيع الأول 1428هـ - 04 أبريل 2007م
من سيربح في حرب العراق؟
 

د.  سيار الجميل

في عددها الصادر في مارس 2007، نشرت مجلة اف بي (Foreign Policy) الأميركية، تحقيقا رئيسيا في ملف مهم عنوانه: «من سيربح في العراق»؟ انهم عشرة من الرابحين، باستطاعتنا التعّرف عليهم وبواسطة عشرة موضوعات كتبها مختصون ومحللون في هذا العالم.. لنسأل فعلا: هل كان هؤلاء بالفعل ربحوا في العراق؟ ونسأل: إلى متى سيدوم حال العراق وهو يدمّر تدميرا؟ متى تتبلور الإرادة العراقية كي تفعل المستحيل لتحافظ على العراق وتكون هي الرابحة الحقيقية؟ دعونا نتوقف عند عشرة من الرابحين حسب ما ورد في التقرير: أولاً: الرابح الأول هو إيران اذ استطاعت ان يأتيها العراق ضعيفا مترديا.. وان هناك من يشكر الذين صنعوا لها كل هذا النفوذ، فتفوقت إيران وانتصرت لتصبح صاحبة «استراتيجية» واسعة النطاق! ثانيا: أما الرابح الثاني فيتمثل بالسيد مقتدى الصدر، اذ يرى ديكستر فيلكينز متسائلا: كيف لرجال الدين من الراديكاليين الشيعة المتطرفين ان يصبحوا القوة الأكبر من خلال الولاء الشعبي لرجل شاب لا يقدر الأمور حق قدرها!! ويتمنى الأميركيون ان يروا مقتدى وراء الحجب.. علما بأنه العدو اللدود لكل العراقيين المحدثين.. وقد تعود الرجل ان لا يستطيع احد مهاجمته!! ثالثا: أما الرابح الثالث، فيتمّثل بالقاعدة التي تقف على رأس الإرهاب العالمي، وباستطاعتها ان تحّرك الحرب القائمة من على شاشات النت، بدءا بعمليات 11 سبتمبر حتى قيام الجبهة الجديدة في العراق.. ويذكر دانيال بايمن، بأن تلك «الجبهة» قد فتحت في بغداد التي لم تحدد نهاياتها بعد. رابعا: أما الرابح الرابع، فيمثله صموئيل هانتيغتون، وهو الرجل الذي كانت له رؤيته في صدام الحضارات نجده اليوم أكثر إيمانا بالغيب من اي وقت مضى.. ويكتب ديفيد فروم بأن هانتيغتون قّدم أسوأ الأفكار والأحكام للمسؤولين الأميركيين، عندما قرن العراق بألمانيا واليابان بمنتهى الغباء، اذ اكتشف الأميركيون بأن العراق هو على غير ما وصف به لهم، اذ تحل به انقسامات كبرى وانعدام حقيقي في الآلية الديمقراطية! خامسا: أما الرابح الخامس، فيتمثل بالصين. ان الولايات المتحدة قد أخطأت التقدير في العراق وانشغلت بمشاكله العصّية، فأعطت الصين ارتقاء السوبر باور في الشرق البعيد، والصين تتحفز اليوم بسرعة كبيرة لتخزين كميات هائلة من البترول، وقد افتقدت العراق كأحد أهم مراكز الاحتياطيات النفطية. سادسا: اما الرابح السادس فيتمثل بالزعماء الأقوياء للشرق الأوسط الذين كانوا قد وقعوا تحت ضغوطات الإصلاحات، فكانوا قبل الحرب على العراق شيء وغدوا من بعده شيئا آخر.. لقد أصبحوا أكثر قناعة راسخة بأفكارهم القديمة وأساليبهم التقليدية بعد أن وجدوا صورة أميركا تتمرّغ في دماء العراق ـ كما تقول ماريانا اوتاواي! سابعا: أما الرابح السابع فيتمثل بسعر النفط الذي سجل قفزات كبرى في الأثمان، بمعنى: ان الأرباح تأتي اليوم وهي تقفز نحو الاعلى بسبب الحرب على العراق.. وان الدول الإقليمية ستتمتع بأروع السنوات القادمة لأن الرئيس جورج بوش حطّم العراق كي تصل الأسعار إلى 80 دولارا للبرميل في العام 2006 ـ على حد تعبير بيل آموت! ثامنا: أما الرابح الثامن فتمثله الأمم المتحدة.. اذ فجأة، لم تعد الدبلوماسية العولمية ترى على انها سيئة.. نعم، يرى مارتن وولف بأن الامم المتحدة كانت اشبه بعجوز كسيحة قبل الحرب على العراق، ولكنها غدت أكثر تأثيرا ونفوذا اثر الحرب.. وهي فرصة تاريخية لم يكن يحسب حسابها أبداً! تاسعا: أما الرابح التاسع، فهو أوروبا القديمة التي أصبحت تشاهد بعد أربع سنوات من الحرب طريق الحكمة من وراء السنين، ولكن هل باستطاعة الأوروبيين القدماء ان يعملوا شيئا أكثر من ان يجلسوا إلى الخلف ويتطلعون إلى المشهد الأميركي بكل خبث ودهاء؟ وان سفراء أوروبا القديمة قادرون على إعطاء اقتراحات رائعة، ولكن الأميركان ليس لهم إلا أن يقولوا كلمة واحدة: «حسنا»، ولكنهم لا يأخذوا بأي مقترح أو رأي! عاشرا: أما الرابح العاشر والأخير فيتمثّل بإسرائيل التي لها العدد الأكبر من الأعداء، ولكنها ربحت من الحرب انها افتقدت خصما قويا عنيدا عبر التاريخ، وبدأت تنطلق من اجل أشياء جديدة في الطريق الطويل! نعم، لقد حيّدت العراق، ولم يعد الفلسطينيون يعّولون بعد اليوم على العراق ولم يعد العراقيون يشكلون أي خطر على إسرائيل! الأسئلة الآن: من هو الخاسر الحقيقي من وراء هذا كله؟ متى يشعر العراقيون بكل هذا الذي خسروه؟ وبكل الذي سيخسرونه؟ ان حريتهم غير مكتملة، فمتى يدرك العراقيون بأن أمامهم خطوات حقيقية لاسترجاع وحدتهم في التاريخ؟ متى يدركون انهم دفعوا ماضيا الكثير في حروب عبثية ويدفعون اليوم ثمنا باهظاً في حروب غرائبية لما بعد العبثية؟ متى يدركون ان كل العالم يربح منهم الا هم أنفسهم من الخاسرين، فالبلاد محتلة والثروات مبعثرة والمؤسسات خاوية والانقسامات فاضحة وهم مقيدون بالأغلال؟ متى يستعيدون الوعي بالمصير؟ متى يدركون أنهم جميعا يلعبون لعبة لا يفهمون أصولها أبدا، وقد تاهوا وسط الدمار والخرائب والكلاب تعوي في كل مكان؟ متى يكونوا الرابح الحقيقي؟ متى يتدارك أمرهم، وينتهي مخاضهم الصعب وتكتمل تجاربهم المريرة؟ إن العراق بحاجة إلى صفحة تاريخية جديدة بعيدا عن الاحتلال بالتعامل مع كل الوسائل السياسية المتاحة.. عند ذاك سيخطو العراق خطواته نحو المستقبل.

*نقلا عن جريدة "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى