ضياء رشوان
في نفس الوقت تقريبا الذي كانت فيه أنباء قيام تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بتفجيراته الانتحارية الثلاثة التي ضربت العاصمة الجزائرية وأصاب أحدها مقر رئاسة مجلس الوزراء تحتل واجهة وسائل الإعلام العالمية كانت حركة أخري معاكسة تدخل إلي مراحلها الأخيرة في مصر بداخل واحدة من أشهر وأقدم جماعات العنف الإسلامية: جماعة الجهاد. وبدا ملفتا أن الاهتمام الإعلامي العالمي ركز كالعادة- بصورة بالغة ومبالغة علي ما جري في الجزائر من تفجيرات نوعية وما شهده المغرب من تفجيرات عشوائية صغيرة في حين غابت تقريبا عنه أنباء ما يجري بمصر من حركة مراجعات فكرية وحركية جذرية وتاريخية تختمها قيادات وعناصر جماعة الجهاد التي يقدمها نفس هذا الإعلام عادة كأهم الجماعات التي ساهمت في تأسيس تنظيم القاعدة ويحتل أميرها السابق أيمن الظواهري موقع الرجل الثاني في التنظيم بعد زعيمه أسامة بن لادن.
لماذا التجاهل الإعلامي الغربي ؟والحقيقة أن هذه ليست هي المرة الأولي التي يبرز فيها ذلك التناقض في تغطيات الإعلام العالمي لما يحدث علي الساحة الدولية من تطورات وأحداث ترتبط بجماعات العنف الإسلامية فقد سبق وأن غطت الأنباء الصاخبة لبعض الهجمات الإرهابية الصغيرة والمتوسطة عام2002 علي أنباء أخري أقل صخبا وأكثر أهمية خرجت من مصر وتمثلت في بدء الجماعة الإسلامية نشر سلسلة كتب المراجعات الفكرية في يناير من ذلك العام والتي أسست لأهم وأبرز تحول لجماعة جهادية عنيفة عن نهجها السابق لتصبح جماعة إسلامية سياسية اجتماعية سلمية وسطية. ولعل هذا التفاوت في الاهتمام الإعلامي العالمي بما يجري في ساحة الحركات الإسلامية علي مستوي العالم يعكس في حقيقته أحد ثلاثة أمور أو كلها معا. فهو قد يعكس اهتماما طبيعيا من وسائل الإعلام بالأنباء الصاخبة والمثيرة والتي عادة تحملها التفجيرات والهجمات المدوية أكثر بكثير من المراجعات والتحولات الهادئة حتي لو كانت الأخيرة أكثر أهمية وتأثيرا علي مجري أحداث العنف والإرهاب علي مستوي العالم. كذلك فقد يكون ذلك التفاوت نتيجة مباشرة لتوجه غربي عام تعبر عنه وسائل الإعلام الرئيسية في العالم لتقديم الحركات الإسلامية الجهادية والعنيفةومن وراءها الإسلام كدين وثقافة ومجتمعات ودول كمصدر وحيد لتهديد استقرار العالم وأمنه وهو التوجه الذي زادت حدته وتجلياته في العالم الغربي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 علي نيويورك وواشنطن. إلا أنه لا يستبعد أن يكون الجهل الغربي بحقيقة تركيب وتعقيد الحركات الإسلامية والأوزان النسبية لجماعاتها وقياداتها وتأثيراتهم علي تطورها الداخلي وتحركها العملي هو أحد الأسباب التي كمنت وراء هذا التفاوت في الاهتمام الإعلامي العالمي.
طبيعة التحولبعيدا عن ذلك التفاوت الإعلامي والأسباب الكامنة وراءه فالأكثر حاجة للمناقشة اليوم هو طبيعة ما يجري بداخل جماعة الجهاد المصرية من مراجعات فكرية وحركية توشك علي الختام والإعلان بين لحظة وأخري وتأثيراتها المتوقعة سواء علي مستوي مصر أو علي مستوي العالم. فأما عن طبيعة ما يجري بداخل صفوف جماعة الجهاد فهو لا يختلف من حيث الجوهر عما جري في صفوف الجماعة الإسلامية المصرية قبل نحو سبع سنوات وإن اختلف عنه في بعض التفاصيل. فأما عن الجوهر فهو في الحالتين قيام كل من قيادات وأعضاء الجماعتين بتحويل الموقف المبدئي الذي اتخذتاه منذ عام1997 بوقف اللجوء إلي العنف إلي موقف فكري يستند الي أسس شرعية ونظرية تتوج هذا القرار وتحوله من مجرد قرار حركي إلي نهج فكري وعملي تتحول بموجبه الجماعتان من فئة إلي أخري من فئات الحركات الإسلامية. فالجماعتان كانتا منذ تأسيسهما وحتي قرار وقف العنف تنتميان إلي ما يطلق عليه الجماعات الإسلامية الدينية الجهادية المحلية التي كانت تعتقد أن الخلل الحقيقي يقع في عقائد المسلمين نظما ومجتمعات وأفرادا وأن تصحيح تلك العقائد هو المهمة الأولي التي لا يمكن إنجازها سوي باللجوء إلي العنف والقتال الذي اصطلحوا علي تسميته' جهادا' والذي يفتح الطريق حسب تصورهم أمام إعادة أسلمة المجتمع والدولة وتأسيسهما من جديد علي قواعد الإسلام الصحيح. وباتخاذ قرار وقف العنف وإتمام المراجعات الفكرية من جانب الجماعة الإسلامية وبدء صدورها من جانب جماعة الجهاد تنتقل الجماعتان إلي فئة الجماعات الإسلامية السياسية الاجتماعية السلمية الوسطية التي لا تري خللا في عقائد المسلمين أفرادا ودولا ومجتمعات ولا تبيح ممارسة العنف بأي صورة ضدهم بينما تضع في مقدمة أولوياتها إعادة تنظيم أوضاعهم الدنيوية وفقا لما تري أنه قواعد الشريعة الإسلامية التي لا يمكن تطبيقها سوي بالوسائل السلمية.
هذا الجوهر للتحول الكبير للجماعة الإسلامية أولا ثم لجماعة الجهاد حاليا يعد الأبرز والأكبر من نوعه الذي يجري في العالم كله خلال العصر الحديث. فالجماعتان من حيث الحجم تعتبران من الجماعات الكبيرة حيث تضمان آلافا عدة من الأعضاء وهما من حيث الممارسة العنيفة كانتا الأكثر لجوءا إليها خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والمسئولتان عن كافة عمليات العنف والإرهاب التي عرفتها مصر خلال تلك الفترة. وبالرغم من أن بلدانا أخري قد عرفت بعض تلك التحولات الجذرية لجماعات العنف الإسلامية فيها مثل الجزائر إلا أنها لم تصل إلي مستوي التحول الشامل لجماعات كبيرة ولم ينتج عنها مراجعات فكرية عميقة وأصيلة كتلك التي أصدرتها الجماعة الإسلامية من قبل وتعكف قيادة جماعة الجهاد علي إنهاءها حاليا. ويؤكد ذلك التحول الكبير الجوهري للجماعتين حقيقة رئيسية في مسار التاريخ الإسلامي الطويل كثيرا ما يتم تغييبها عمدا أو جهلا وهي أن الهيكل الرئيسي لهذا التاريخ شكلته دوما الحركات الإسلامية السياسية الاجتماعية السلمية الوسطية وليس الحركات الدينية الجهادية العنيفة التي كانت تظهر فيه لفترات قليلة ضمن ظروف عارضة ثم سرعان ما تختفي أو تتحول إلي النوعية الأولي من الحركات. أما الحقيقة الثانية التي يؤكدها ذلك التحول فهي مخالفة لما تروج له بعض الدراسات الغربية بالأساس من أن العنف والتشدد في الحركات الإسلامية الجهادية العنيفة إنما هو جوهر ثابت لها لا يمكن تغييره لارتباطه بما تري تلك الدراسات أنه جوهر ثابت للعنف بداخل الإسلام نفسه كدين وثقافة ونظام اجتماعي. فهذا التحول يثبت أن تلك النوعية من الحركات العنيفة إنما هي ظاهرة اجتماعية معقدة كغيرها من الظواهر التي تتكون وفق عوامل عديدة وأنها ككل تلك الظواهر قابلة للتحول والتغيير بكل درجاتهما وأنواعهما إلي حد الانتقال الكامل والنهائي من فئة إلي أخري من فئات تلك الظواهر.
تفاصيل ودلالات التحولذلك عن إجمالي التحول وطبيعته وأما عن تفاصيل التحول في جماعة الجهاد وما يعكسه من دلالات ونتائج علي مصر والعالم فهو لا يقل أهمية. فقد أخذت جماعة الجهاد وقتا أطول من الجماعة الإسلامية لإنجاز مراجعاتها الفكرية النهائية لأسباب باتت معروفة للجميع متخصصين وغير متخصصين تتعلق بالأساس بالاختلاف بينهما في النشأة التاريخية والبنية التنظيمية. فقد نشأت الجماعة الإسلامية موحدة منذ البداية وظلت دوما تتسم بتنظيم مركزي القيادة وواضح الهيكلية مما سهل تفاعل قيادتها وقواعدها حول وقف العنف والمراجعات الفكرية وإنجازها في زمن أقصر بكثير من جماعة الجهاد. أما تلك الأخيرة فقد تشكلت موحدة للمرة الأولي في بداية الثمانينيات من عدد من المجموعات الجهادية الصغيرة التي نشأت في ظروف مختلفة قبل ذلك بنحو عقد ونصف العقد وظلت بنيتها التنظيمية بذلك غير مستقرة ومتأثرة دوما بهذه المجموعات الصغيرة الأولي الأمر الذي عطل لفترة أطول اتفاقها علي جوهر المراجعات الفكرية التي تم التوصل إليها أخيرا.
ومن التفاصيل المهمة في مراجعات الجهاد ومن دلالتها المركزية أيضا أن مختلف القيادات التاريخية للجماعة وللمجموعات الأصلية التي شكلتها هي التي تقود اليوم تلك المراجعات وفي مقدمتهم الأمير السابق للجماعة وأهم منظري العنف لها ولمختلف الجماعات الجهادية علي مستوي العالم الطبيب سيد إمام الشريف المعروف باسم عبد القادر بن عبد العزيز أحيانا وباسم الدكتور فضل أحيانا أخري. فمؤلف كتابي' العمدة في إعداد العدة' و'الجامع في طلب العلم الشريف' المؤسسين لفقه هذا العنف ولتفاصيل العملية هو نفسه الذي يقوم حاليا بنقد ومراجعة ما جاء فيهما من أحكام وفتاوي مغالية انطلاقا من مدرسة الوسطية والاعتدال الإسلامية التي ما كان للإسلام أن يستمر ويتسع بدونها.
ولعل أهمية هذا الرجل في إنجاز المراجعات بدت للبعض مفاجئة لعدم معرفتهم به وبتاريخه الطويل في المجموعات الجهادية المصرية في داخل البلاد وخارجها منذ تشكيله مع آخرين منهم أيمن الظواهري أول مجموعة جهادية في المعادي بالقاهرة عام1966. وقد حرص مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ضمن تقاليده المستقرة في الدراسة المعمقة لتفاصيل الحركات الإسلامية علي تخصيص دراسة رائدة حول كتابيه المذكورين في العدد الأول من' دليل الحركات الإسلامية في العالم' الذي صدر في يناير2006 للتعرف علي ما جاء بهما من قواعد فكرية استندت إليها أنواع عدة من الحركات الإسلامية الجهادية علي مستوي العالم. وهنا تأتي الدلالة الرئيسية لمراجعات جماعة الجهاد المصرية بمن يقودونها من الرموز التاريخية للحركة الجهادية العالمية حيث سيؤدي ذلك بدون شك إلي خلخلة عميقة وواسعة لصفوف تلك الحركات وفي مقدمتها تنظيم القاعدة الذي شاركت عناصر من الجهاد في تأسيسه ويحتل أميره السابق أيمن الظواهري موقع الرجل الثاني فيه. فلا جماعة الجهاد ولا تلك القيادات والرموز الكبري التي تجري المراجعات يمكن اتهامهم من جانب القاعدة وأنصارها بأي اتهام ينال من مصداقيتهم ولا صدق تحولهم ولا صحة مراجعاتهم وهو الأمر الذي سيوجه أول وأكبر ضربة حقيقية للقاعدة وأسسها الفكرية والحركية ربما منذ تأسيسها.
ولعل من يعرفون طبيعة الحركات الإسلامية الجهادية ونوعية الشباب الذين يعتنقون أفكارها عبر الإنترنت أو عبر الاتصال المباشر هم الذين يمكن لهم تقدير مدي الأثر البالغ الذي ستمثله مراجعات الجهاد علي مسار تلك الحركات وفي مقدمتها القاعدة. وتبقي الدلالة الأخيرة والمهمة في هذا المقام وهي تتعلق بالأدوار التي قام بها بعض المصريين من أعضاء الجهاد في تأسيس القاعدة وفكرها فما يحدث اليوم من مصريين آخرين من القيادات والرموز التاريخية لجماعة الجهاد نفسها وهم أنفسهم هو بمثابة' تصحيح' تاريخي لما اقترفوه قبل ذلك من أخطاء شرعية وسياسية وهو الأمر الذي سيذكره لهم التاريخ وشعبهم والعالم كله أكثر مما سيذكرون ما فعلوه سابقا ذلك إذا كان الإنصاف هو منهجهم في الحكم.
* نقلا عن صحيفة "الأهرام" المصرية
|
