صالح الطريقي
قد أجد مبررا لما يقوله الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في ذكرياته التي يسردها علينا ، فمن جهة هو يتحدث عن قائد "جمال عبدالناصر" يملك كارزمة مازالت قائمة رغم موته ، لهذا مازالت تجربته خارج النقد الموضوعي ، وربما البعض يذكر الهجوم الذي طال المفكر الدكتور عبدالرحمن بدوي حين صدر كتابه من جزأين "حياتي" ، وروى به كيف دمر العسكر الجامعات ، وأصبح التعيين في المناصب العليا بالجامعات ليس قائما على الأفضل معرفة ، بل على أفضل دكتور يكتب تقارير سرية للمباحث ، لهذا كانت التقارير الكيدية هي ما تحرك الكثير من الدكاترة ، وبدل أن يسمع له ، شنت حمله عليه لأنه لامس المقدس بالنسبة للكثير .
من جهة أخرى "هيكل" لم يكن محايدا في هذا التاريخ الذي يرويه ، ولم يكن تابعا أو خادما لدى الرئيس كعادة الصحفيين العرب مع القادة ، فهو مشارك وشريك مع "عبدالناصر" ، ومن الطبيعي ألا يكون الإنسان موضوعيا حين يتحدث عن تاريخه ، لا يعني هذا أن هيكل كاذب وهو يروي التاريخ ، بقدر ما هو يتجمل أو يريد تحميل مسئولية فشل التجربة لجهة أخرى مع أن الأمر كان صراعا بين طرفين ، وأظن لا يكفي أن يكون الحق معك لتنتصر ، فالحق كالظلم كلاهما يحتاجان للقوة ليفرضا سلطتهما .
قلت : قد أجد مبررا لهيكل وهو يتحدث عن تجربته ، بيد أني لا أجد مبررا له وهو يخرج علينا يوم الخميس الماضي في قناة الجزيرة ، ليبسط الخطر القادم من إيران ، بل وينفيه ويرى أن كل ما يحدث هو محاولة من البعض لإلهاء الأمة عن إسرائيل .
ومع احترامي الكبير لهيكل ، إلا أنه قفز على سؤال "هل إيران خطر على الدول العربية ؟" ، ليحدث الناس عن خطر إسرائيل الذي مازلنا نهول به ونرى أن إسرائيل لديها نزعات لتتوسع جغرافيا .
ومن وجهة نظر شخصية ، الكلام عن توسع إسرائيلي أمر مبالغ فيه ، فاليهود عقيدتهم هي ما جعلت منهم أقلية لا يمكن لهم أن يتوسعوا ، وربما المراقب لعودة سيناء لمصر ، سيكتشف أن إسرائيل وبعد احتلالها لهذه المساحة الجغرافية ، لم تجد شعبا يسكن هذه المساحة ، فعقيدتهم ليست تبشيرية ليدعوا الناس لاعتناق اليهودية ، بقدر ما هي عرقية .لهذا كان اليهود ومنذ زمن بعيد يحاولون السيطرة على اقتصاد أي مجتمع ليحقق لهم الأمن كما يعتقدون ، وخطورة إسرائيل تكمن في تغلغلها اقتصاديا في العالم العربي ، وإن حدث هذا ستجير كل شيء لمصلحتها ، كما فعلت في أقوى دول بالعالم ، وأعني أمريكا التي استطاع اليهود السيطرة على اقتصادها ، فأصبح البيت الأبيض والكونجرس يعملان لمصلحة اليهود قبل مصلحة المجتمع الأمريكي .
هذا عن إسرائيل ، ولكن ماذا عن إيران وهل خطرها يهدد العالم العربي أم هي ملاك كما يراها هيكل ؟إيران خطر يهدد العالم العربي بأسره ، فإيران دولة مذهبية ، وإن قدمت نفسها كدولة إسلامية ، وهي قادرة على أن تتغلغل جغرافيا لأن في كل دولة عربية يوجد المذهب الشيعي ، وهناك حقد قديم بين المذاهب ، كان بدايته صراعا على السلطة ، واستغلته السلطة لتحوله إلى صراع عقدي ، وذكاه الطرفان .قد يتبادر للبعض أني أتحدث عن طابور خامس متواجد في العالم العربي ستحركه إيران ، وهذا ليس صحيحا ، فأنا لا أريد التحدث عن الخيانة ، بقدر ما أود طرح الأمر من زاوية أخرى ، ألا وهي الانتماء .
من هذا المنظور علينا أن نسأل أنفسنا : ما الذي يدفع الإنسان للانتماء ؟ولماذا مازال الإنسان العربي انتماؤه للمذهب/القبيلة أكثر من انتمائه للدولة ؟هذه الأسئلة ربما تخبرنا أن ولاء الإنسان مرتبط بالمكان الذي يحقق له الأمن والصحة والحياة الكريمة ، وحين لا يجدها يبحث عنها في مكان آخر ، وإن عجز عقله عن حل أزمته ؛ لجأ للغيبيات ، وسلم نفسه لبعض شيوخ المذهب ليعدوه وليمة لحربهم اللانهائية ، وقارئ التاريخ يعرف ما الذي فعلته الحروب المذهبية في أوروبا منذ القرن الخامس عشر إلى الحرب العالمية الأولى .يقولون : "إن التاريخ لا يعيد نفسه" ، وهذا كلام ساذج فالتاريخ سيعيد نفسه كلما تهيأت الظروف لأن يعيد نفسه ، وها هو بدأ يعيد نفسه في العراق ، وبدأ المذهبان يتناحران ، فهل سنحتاج 400 سنة من الحروب الغبية ، لنكتشف أن الإنسان يحتاج للدين ليطمئن قلبه ، فيما المجتمع يحتاج للعدل لينتمي أبناؤه له ، ولا يخونوه ؟.
* نقلا عن صحيفة " شمس " السعودية
|
