عبد الرحمن الراشد
الاحكام القضائية ضد المواطنين البريطانيين من جاليتها المسلمة هي في ظني اول طلقة في حرب صعبة. فبريطانيا مليئة بجحور الثعابين والعقارب من المتطرفين الذين وفدوا اليها من انحاء العالم؛ من السعودية ومصر وتونس والمغرب والجزائر وسورية وباكستان وغيرها. والفضل في ذلك يعود الى انظمتها المرنة، وتبنيها لسياسة استقبال المنبوذين في اعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية والاشتباك السوفييتي الغربي الذي فتحت خلاله الابواب للاجئين من طلاب الحقوق المضطهدين. ونحن امام مفارقة عجيبة هي ان بريطانيا التي يكرهها الاصوليون هي نفسها بريطانيا التي يمارسون فيها كامل حقوقهم ويستمتعون بما حرموا منه في بلدانهم.
وكان المجتمع المثقف البريطاني يقول إلى قبل اربع سنوات انه مستعد ان يحتمل ما يقوله هؤلاء الناس من باب حماية الحقوق الفردية وحماية حق التعبير والعمل السياسي المعارض، وكنا نقول لهم اننا جميعا مع هذا الحق لكن هؤلاء لا علاقة لهم بالحرية، ولا يكنون اي احترام لحقوق الآخرين، ويحتقرون النظام الذي يحميهم، ويتآمرون سرا وجهارا على المجتمع وبكل أسف بقيت آذانهم صماء اعتقادا اننا وراء مطاردة خصوم بدل فحص ظاهرة التطرف في المنطقة العربية والإسلامية من اجل التعرف على طبيعة المشكلة. ظهرت العديد من التقارير والمقالات في الاعلام البريطاني تمجد وتدافع عن هذه الجماعات في بلدانها وفي مهجرها البريطاني دون ادراك لطبيعتها المتطرفة الفاشية التي تماثل النازية وتتفوق عليها في قدرتها على تخريب النسيج الاجتماعي.
وأمام بريطانيا مشكلة عويصة جدا، فهي تواجه عدوا غريبا ووسط حساسية اجتماعية ونظم قانونية بطيئة الملاحقة تحد من حركتها. فجزء اساسي من النجاح معرفة الخصوم والقدرة على الاندماج في مجتمعهم، وهو امر ممكن في الدول العربية كون المتطرفين من نفس الشريحة، كما ان سلطة اجهزة الأمن كبيرة في النظام العربي وتجعل من السهولة ان تقوم بجمع المشبوهين وتوقيفهم واستجوابهم، بل بامكانها التخلص من الفئات الاجنبية غير المرغوب فيها من الوافدين بصورة عشوائية ان كانت تعتقد انهم مصدر خلل. هذا امر غير ممكن تطبيقه في بريطانيا لهذا لن يكون سهلا على الأمن البريطاني مكافحة الخطرين؛ خطر التنظيم السري وخطر التعليم العلني في التجمعات السكانية التي يندس فيها المتطرفون.
وبكل أسف لا يمكننا إلا ان نتوقع المزيد من العمليات الارهابية في بريطانيا لان كل الدلائل تشير الى ان المتطرفين امضوا سنين متواصلة في تخريب عقول شباب من مسلمي بريطانيا تحت حجج مختلفة، دينية واجتماعية. ولن يكون سهلا ايقاف موجات التدريب او قبل ذلك منع التدريس المتطرف.
ما الذي يمكن ان تفعله السلطات البريطانية؟
اعتقد ان عليها ان تفعل ما فعلته دول قبلها من اسلامية وغيرها. ان تقبل ضرورة محاربة المتطرفين بقطع الاكسجين، ويتمثل في صحفهم وإذاعاتهم وتلفزيوناتهم ومنابرهم ومساجدهم ومواقعهم الالكترونية. من خلال الدعاية يستطيعون جمع المال والمتطوعين وتأمين التأييد الشعبي داخل الجاليات. والسؤال كيف للنظام البريطاني المقنن ان يسمح بذلك؟ الاجابة عند المشرعين المترددين، وهم اليوم عمليا على ابواب حرب ارهابية وملاحقة المتطرفين المسلمين اليوم هي خير من ملاحقة كل المسلمين غدا. *نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية
|
