طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 16 ربيع الثاني 1428هـ - 03 مايو 2007م

الدنمارك تغيّر قوانينها

 

محمد حسن علوان

يوجد مقولة شعبية شائعة بين الإسكندنافيين (الدنماركيون يحبون السويديين، والسويديون يحبون النرويجيين، والنرويجيون يحبون أنفسهم!)، ولا أدري ما رأي النرويجيين في هذه المقولة، ولكن أحداً من الجيل السابق في هذه الدول الثلاث لا ينفيها تماماً، ولا يعول عليها بطبيعة الحال، بصفتها مقولة شعبية أصلاً. إلا أنها، رغم انحصار نطاقها الاجتماعي بين الدول الثلاث، تعبر بشكل جميل عن الرابط الثقافي الذي يجمع بينها، وينظمها في منظومة سلوكية، واجتماعية، وقومية معينة، لاشك أنها منحتهم جميعاً بلا استثناء مقومات النجاح الإسكندنافي الهائل، رغم صغر حجمها، وغيابها عن قائمة الدول العسكرية الكبرى التي تصنع سياسات العالم. وكل الدول الثلاث تتكئ على وسادة هائلة من السعادة تثبتها عدة دراسات اجتماعية، واقتصادية. فالسويد هي ثالث أسعد بلد في العالم، والدنمارك هي رابع أسعد بلد في العالم، بينما تأخرت النرويج قليلاً فقط لتحتل المرتبة الثامنة (ربما لأنها تحب نفسها!). هذه النتائج جاءت طبقاً لأحد الاستبيانات واسعة النطاق التي تتوخى رأي الناس الفعلي، بعيداً عن المقاييس الأخرى، إلا أنه حتى في الدراسات التي تعتمد معايير اقتصادية، وسياسية، وصحية، وغيرها لم تخرج هذه البلدان الثلاثة عن قائمة العشر دول الأسعد في العالم، وفي الدراسة الشهيرة لجامعة ليسستر البريطانية، احتلت الدنمارك المركز الأول، كأسعد بلد في العالم، وجاءت السويد في المرتبة السابعة، بينما تأخرت أختهم النرويجية الأنانية أكثر هذه المرة. القواسم المشتركة بين الدول الثلاث كثيرة جداً، بحكم الجذور المتقاربة، إلا أن أهمها بالطبع هو الانضباط الهائل، وإتقان العمل، والحرية الاجتماعية، والشفافية السياسية، وغياب الطبقية، إلى غيرها من الممارسات الحضارية التي تشربتها ومارستها تلك الدول رغم أنها لم تدفع في تاريخها أثماناً سياسية غالية لهذه الحكمة كما فعلت دول أخرى مجاورة، أذاقتها الحروب والثورات مرارات كثيرة، ولكن السعيد من اتعظ بغيره، ويبدو أن الدول الصغيرة الثلاث، المعلقة في سقف القارة الأوروبية، تعرف كيف تمتص الحكمة من مراقبة بقية العالم، وتعرف كيف تضبط معادلة السعادة التي تناسبها تماماً، وقد لا تناسب غيرها من الدول.

فمعدل الحرية الاجتماعية هناك يعد مرتفعاً جداً إلى حد لا تقبله حتى دول أوروبية مجاورة، إلا أن الدول الثلاث في المقابل، تبرر ذلك بارتفاع مستوى الوعي لدى الشعب إلى حد أصبح معه القيد القانوني بلا معنى، فالجميع يعرف مصلحته جيداً في النهاية، بما يلغي دور الوصاية القانونية الحكومية، ويخفضها إلى حدها الأدنى تقريباً.
الدنمارك، على طليعة هذه الدول الثلاث، حازت مركز السعادة المتقدم هذا لارتفاع مستوى المعيشة، وانعدام الفقر تقريباً، ورقي مستوى التعليم في المدارس الحكومية والخاصة على السواء، وجمال الطبيعة، وأيضاً، ارتفاع الحس الوطني. هذه الأخيرة كانت من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى الصدام الأخير الذي مضى بين الدنمارك ومسلميها، والذي امتد بعد ذلك إلى خارج الحدود الدنماركية ليتسبب في إغضاب العالم الإسلامي (منذ متى لم يكن العالم الإسلامي غاضباً أصلاً؟). كانت بداية هذه المشكلة تسبق نهايتها بكثير، وبالتحديد منذ بدأت الدنمارك في فتح أبواب الهجرة، واستقبال المهاجرين من كافة أنحاء العالم، اقتداءً بالسنّة الأوروبية في ذلك، ومحاولة منها لضخ دماء عولمية في مجتمعها، وتشجيع التعددية الثقافية، في مجتمع كاد يكون دنماركياً نقياً خالصاً آنذاك. وفي البدء، كانت قوانين الهجرة الدنماركية تكاد تكون الأسهل بين الدول الأخرى، وحقوق المهاجر هي الأعلى والأفضل، فتقاطر المهاجرون إليها من أغلب الدول الفقيرة، والمتوترة، و(غير السعيدة!)، وأغلبها دول إسلامية بطبيعة الحال، ليمنحهم الباب الدنماركي المفتوح حقوقاً لم يحلموا بها وراءه، ولم يتصوروا أن أحداً سيعاملهم بهذه الضيافة الساذجة في مكان آخر في العالم، دون أن يطالبهم بالكثير في المقابل، سوى أن يكونوا مواطنين صالحين، يحترمون القانون الذي أكرمهم، والثقافة التي استضافتهم، وحولتهم إلى مواطنين متساوي الحقوق، هم الذين جاؤوا مستجيرين به من نظم قاسية، وسجون مظلمة، وفقر مدقع، وفساد مستشر، وغيرها مما يفر منه المهاجرون عادة.
في المقابل، كان المواطن الدنماركي يتأمل هذه الأفواج من المهاجرين التي صارت فجأة تشاركه الحقوق، والخدمات الاجتماعية، والمقاعد الدراسية، والرعاية الصحية، والوظائف الحكومية، رغم أن بعضهم لم يتعلم اللغة الدنماركية رغم وصوله منذ سنوات، ولا يعرف شيئاً عن تاريخ الدنمارك الثقافي والسياسي. إنه أمرٌ يبعث على الحنق لدى رجل الشارع العادي الذي يجد صعوبة في فهم استراتيجيات الحكومة، وتصاعد هذا الحنق تدريجياً مع تزايد المهاجرين، ومزاحمتهم للمواطن الدنماركي في كل شيء، ليبدؤوا من حيث انتهى هو، وفي أيديهم جوازات سفر صادرة للتو، وفي ألسنتهم لغة دنماركية ركيكة، وبدأوا يعيشون عيشة الأقليات التي تطالب بكل الامتيازات الممكنة، باذلة أقل جهد مطلوب.
وهذه طبيعة بشرية على أي حال، يتحملها قانون الهجرة الدنماركي الذي كان متراخياً جداً في مراقبة المهاجرين، ومتابعة مستوى اندماجهم الإيجابي مع المجتمع، وتصالحهم الديموغرافي معه، ومساهمتهم الفعالة في البناء. إنه خطأ كبير، لأنه لما أهملت الحكومة هذه المهمة، قام بها الناس بدلاً منها، وهذا أس المشكلة، فالمجتمع الدنماركي راح يعبر عن سخطه وضيقه من تصرفات المهاجرين الذين قاسموه فجأة الأرض، والجنسية، والهوية، والثروة، والخدمات، والحقوق، بمجرد توقيعهم على بضع أوراق عند باب السفارات، وإجابتهم على عدة أسئلة بسيطة، ثم هاهم الآن، من وجهة نظر المواطن الدنماركي العادي، يتصرفون وكأنهم ولدوا هنا، وامتلكوا المكان أباً عن جد،دون أن يشاركوا بشكل اجتماعي فاعل في تحقيق منافع وطنية كبرى، إلا فيما يخدم أهدافهم كأقلية (مثل المساجد، والجمعيات الإسلامية، وغيرها)، ولم يبدوا أي اهتمام بتاريخ البلد وحضارته ولغته ومقوماته الثقافية، بل على العكس، راحوا ينتقدونه في الصميم من ثقافته ومبادئه، ويتذمرون من ارتفاع مستوى الحرية، ويطالبون بمعايير محافظة في المدارس، وغيرها.
قام المجتمع الدنماركي (وليس الحكومة) في المقابل بالرد على المهاجرين بالطرق القليلة المتاحة له، ومنها: عدم منح الفرص الوظيفية الجيدة للمهاجرين بصفتهم غير متعلمين، ولا يتقنون اللغة جيداً، مما أدى ببعض المهاجرين ذوي المؤهلات الجيدة إلى طلب العمل في دول أخرى، مما أقام عليهم الحجة بأنهم لم يأتوا إلا بحثاً عن جواز السفر الدنماركي، وليس الدنمارك نفسها. ثم حاولوا مرة أخرى أن يختبروا مدى التزام المسلمين الدنماركيين بالقانون الدنماركي القائم على حرية التعبير، وارتكبوا تلك الحماقة الكبرى بنشر الرسوم المسيئة للرسول، قاصدين استفزاز مسلمي الدنمارك، وإثارة احتجاجهم، حتى يوصلوا بذلك رسالة موجهة للحكومة الدنماركية تلومهم فيها على منح الجنسية أناساً لا يؤمنون بأهم مبادئ الدنمارك الأساسية، حرية التعبير، ولم يعلم القائمون على هذا الأمر أنه سيخرج من حدود معركتهم الاجتماعية القانونية الصغيرة داخل الدنمارك، ليشعل الغضب عليهم في كل العالم، والجميع يعرف بقية القصة.
انتهت تلك القضية لدى العالم الإسلامي بقليل من السفارات المحروقة، ونقص في عدد الأجبان المستهلكة، وإضافة دولة جديدة إلى قائمة الأعداء الطويلة الموهومة. أما في الدنمارك، فقد وصلت الرسالة بشكل واضح للحكومة الدنماركية، لتعيد النظر في إجراءات الهجرة استجابة لرغبات شعبها المدلل، وتم تعديلها فعلاً، لتصبح الدنمارك من أصعب الدول الأوروبية قبولاً للمهاجرين حالياً، ويخضع المتقدمون لاختبارات عديدة، ويشترط أن يكونوا على دراية بأدق تفاصيل التاريخ الدنماركي، وثقافته، وقيمه الاجتماعية، وعلى رأسها بالطبع، اللغة الدنماركية، حتى تظل الدنمارك، أسعد دولة في العالم! *نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية

عودة للأعلى