صالح الطريقي
ثمة فارق كبير بين رؤية كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات للخطة الأمريكية المتضمنة "تفكيك سلسلة من نقاط التفتيش مقابل وقف إطلاق صواريخ من داخل قطاع غزة على إسرائيل" ، وبين رؤية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ، مع أن كليهما لا يمكن التشكيك في وطنيتهما أو إخلاصهما للقضية .
فعريقات ينطلق من فكر قادر على قراءة الواقع كما هو ، واقع يقول له : "إن المواطن الفلسطيني البسيط يتم تدميره على مهل أمام المعابر ، وأن الجندي الإسرائيلي الحقير يمكن له منع هذا المواطن من الذهاب لعمله ، أو حرمانه من العودة لبيته ساعات وربما أياما ، وأن لا خيار آخر للمواطن الفلسطيني الأعزل ، أمام الجندي الحقير والمدجج بكل وسائل القوة إلا الخضوع والقبول بالأمر الواقع ، والانتظار أمام الحاجز إلى أن يسمح له بالعبور للجهة الأخرى ، وأن هناك مرضى ماتوا وهم ينتظرون السماح لهم بالمرور .
صائب عريقات يعرف أن الصواريخ التي تطلق من غزة وإن كانت تسبب صداعا لإسرائيل ، إلا أن ردة الفعل الإسرائيلية أقوى وأقسى وظالمة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ، وأن هذه الصواريخ لا تحقق الأهداف الفلسطينية ، بقدر ما هي تقدم مبررا لعملية لا أخلاقية جديدة تقوم بها إسرائيل ، وأن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والحكومات العربية لا تملك مقومات الانتصار في الوقت الحالي ، لأسباب كثيرة يمكن اختصارها بالجهل وغياب المعرفة والعدل في المجتمعات العربية .
لهذا كان من الطبيعي أن يقبل بالخطة الأمريكية ، وإن أعلن أن الفلسطينيين سيجرون مزيدا من المناقشات حول الخطة ، فالخطة وإن لم تحقق أحلام الشعب الفلسطيني إلا أنها تمنحه حياة أفضل من عدم قبول هذه الخطة .
صائب عريقات يرى أن الواقع يتغير لمصلحة المجتمع القوي ، وأنه كلما ازددت قوة ، جاءت القرارات لمصلحتك ، وفي حالة الضعف ستفرض عليك القرارات .
فيما خالد مشعل يخلط الواقع بالحلم ، لهذا جاء رده كالعادة بالرفض القاطع دون أن يقدم حلولا سوى أحلام لا يمكن تحقيقها الآن على أرض الواقع ، فهو يرى أن معادلة رفع الحواجز مقابل وقف المقاومة مهزلة واستخفاف بالعقول .
يقول خالد مشعل : "إن رفع الحصار ليس هدفا للشعب الفلسطيني ، بل حق له" ، وهذا الكلام لا يختلف عليه أي منصف ، ولكن يبقى السؤال كيف يمكن لنا أن نأخذ هذا الحق ، أو ما هي الطريقة المثلى ؟
خالد مشعل يرى أن على الحكومات العربية والإسلامية كسر الحصار أولا ، "لا تشبعونا وعودا والتزامات ، ارفعوا الحصار من دون ضوء أخضر من بوش" .
مثل هذا الكلام يمكن له أن يهيج المشاعر ويلهب الأكف ويجعل حناجر الجماهير تهتف لقائلها ، ولكنه على المحك ما هو إلا تسول سياسي ، ولكن بطريقة غير مؤدبة ، فأن تطلب من إنسان مساعدة لأنك لا تملك أو لا تقدر على فرض رؤيتك وشروطك دون طلب العون ، هذا دليل على ضعفك ، ورغم ضعفك وتسولك إلا أنك تفتقد للباقة ، وتتهمه بالخيانة إن لم يساعدك .
المحزن في كل هذا ، أن عقلية خالد مشعل ـ التي لا تريد قراءة الواقع لمعرفة ما هو ممكن ومحتمل أن يتحقق الآن ، وما يمكن تأجيله أو مستحيل تحقيقه الآن ـ هي السائدة في العالم العربي ، فيما صائب عريقات أقلية لا يعتد بها ولا يسمع لها ، ويمكن بسهولة اتهامها بالخيانة والعمالة أو على أقل تقدير تخليه عن القضية .
ـ ما أقسى أن تعيش في مجتمع يرى العقلانية جبنا أو خيانة عظمة لابد من محاكمتها ، فيما المراهقون سياسيا هم أصحاب الرؤية النافذة والحكماء .
* نقلا عن صحيفة "شمس" السعودية
|
