محمود المبارك
في لقائه الأول بسفيرة الولايات المتحدة الأميركية في بلاده عقب هجوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، أعرب الرئيس الباكستاني برويز مشرف عن شجبه واستنكاره الشديدين لتلك الهجمات، إلا إنه أعطى إجابات مرنة عن موقف بلاده من أي هجوم محتمل من الولايات المتحدة ضد أفغانستان. ولكن السفيرة التي لم تطمئن إلى موقف الرئيس - الذي كانت بلاده إحدى أهم دعائم إمارة «طالبان» الخارجية - طلبت منه إجابة صريحة في كلمة واحدة تحدد موقفه. فهو إما أن يكون «مع» أو «ضد» الولايات المتحدة في حربها ضد «طالبان» و «القاعدة». وحيث إن عدم وقوفه «مع» الولايات المتحدة سيجعله في صف «الضد»، لم يجد الجنرال بداً من الإعلان عن موقفه وموقف بلاده «مع» الولايات المتحدة في حربها ضد «الإرهاب».
كانت رؤية الرئيس الباكستاني أن قراره المثير للجدل هذا، وإن كان يعني أن تُفتحَ بلاده جواً وبراً وبحراً للقوات الأميركية، إلا أنه أنقذها من هجوم أميركي وشيك في حال صنفته السفيرة الأميركية في فئة «الضد»، وأن ذلك كان سيعني بالتأكيد القضاء على الحلم الباكستاني في الحصول على «قنبلة نووية باكستانية» طال انتظارها. ولكن الأمر الذي لم يدركه القائد العسكري آنذاك، هو أن التضحية لأجل حماية «قنبلة نووية» في باكستان، ربما كان سبباً لإنتاج «قنبلة بشرية موقوتة» ستستخدم ضده.
اليوم، وبعد مرور ست سنوات على بدء التحالف الباكستاني - الأميركي ضد «الإرهاب»، ربما وجد الزعيم الباكستاني نفسه في معزل عن شعبه كما لم يكن من قبل. فالزعيم الذي نجا من ست محاولات اغتيال في مثل عددها من السنوات، وخاض معركة ضد حلفائه السابقين من «القاعدة» و «طالبان» الذين يتمتعون بشعبية قد تفوق شعبيته داخل بلاده، قد يعلم مقدار الفجوة بينه وبين شعبه.
إضافةً إلى ذلك، لم يوفق الزعيم - الذي وصل إلى سدة الحكم في عام 1999 عبر انقلاب عسكري ضد رئيس منتخب شعبياً - في علاج أزماته الداخلية بأسلوب حكيم. فالأسلوب التعسفي الذي اتبعه الرئيس مشرف مع الجماعات الإسلامية في إغلاق المدارس الدينية منذ عام 2001، وقرار عزل رئيس المحكمة العليا الذي أعيد بقرار من المحكمة ذاتها أخيراًً، وأحداث المسجد الأحمر الدامية التي فقدت حكومة مشرف الحكمة في معالجتها، فضلاً عن عدم إجراء انتخابات كانت مقررة قبل ثلاث سنوات بقرار من المحكمة الدستورية العليا، كل ذلك أسهم في فقد ثقة المواطن الباكستاني في زعيمه المستبد.
لكن المشكلة التي تواجهها باكستان ليست متمحورة في شخص الرئيس ذاته. فالدولة التي كانت أرضاً خصبةً لاستقبال ونمو الحركات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة على حد سواء، تجد نفسها اليوم بين دول تتسابق إلى الحصول على السلاح النووي وتطويره. فالصين والهند وإيران في سباقها المحموم نحو السلاح النووي، لا تعين القيادة الباكستانية إلا على التفكير بمثل ذلك النهج لحماية نفسها. في الوقت ذاته، لا تزال أفغانستان كما كانت من قبل مصدر قلق ليس لجارتها القريبة فحسب، بل ولحليفتها في واشنطن، إذ لا تزال اتهامات البيت الأبيض تتوالى في أن مصدر «الإرهاب» في أفغانستان يأتي عبر القبائل الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية، ولا يزال الرئيس الأميركي يطلب من حكومة مشرف - على رغم كل ما قدمته - مزيداً من الضغوط ضد تلك الجماعات، بما في ذلك ضربات عسكرية ضد المناطق القبلية.
ويبدو أن سياسة واشنطن تريد أن تسبب حرجاً لحليفها في إسلام أباد، الذي ربما أصبحت إدارة بوش عازمةً على الاستغناء عنه. ذلك أنه لا يخفى على واشنطن أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها المتحدث باسم البيت الأبيض حول استعداد بلاده لقصف مواقع القبائل داخل باكستان، ستعمق الفجوة بين مشرف وشعبه. فمشرف الذي تدنت شعبيته الى درجة تفوق تدني شعبية بوش في بلاده، سيتعرض لكثير من الأذى داخلياً، إذا ما قام هو أو قامت القوات الأميركية في بلاده بهجوم عسكري ضد المناطق القبلية.
ذلك أن الوضع الداخلي في باكستان اليوم أصبح على فوهة بركان، ويبدو واضحاً لأي مُطَّلِعٍ أن عوامل الثورة التي اجتمعت في الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية أو الثورة الصينية أو الثورة الإيرانية، تبدو جميعاً متوافرة اليوم في باكستان. فالفقر الاقتصادي والقهر السياسي والتخلف التقني والهوة المتسعة بين القيادة والشعب، كل ذلك يمكن أن يتسبب في قيام ثورة عارمة في باكستان.
والبيت الأبيض - الذي لا يخفى عليه الوضع الباكستاني - ربما أراد بتصريحاته الأخيرة، رسم سياسة جديدة مفادها أنه في ظل الظروف غير المأمونة لمستقبل باكستان، وحيث إنه من غير المقبول ترك القوة النووية في أيدي جماعات إسلامية متطرفة قد يؤول إليها الحكم في باكستان، فإنه ربما كانت هناك حاجة لـ «عرقنة» باكستان لكي يمكن التخلص من قنبلتها النووية، وذلك عن طريق خلق فرصة لنشوب فتنة داخلية بين مشرف والقبائل، تنتج عنها فوضى داخلية أقرب ما تكون إلى الوضع في العراق. وحيث لا يوجد بديل حقيقي للقيادة السياسية في باكستان، فإنه في حال انهيار النظام السياسي القائم حالياً، ومع عدم توافر البديل السياسي المُرضي، فإنه ربما أمكن تسليط الهند من جانبها لتقوم ببقية الدور. فهل تنفجر قنبلة مشرف البشرية قبل استكمال قنبلته النووية؟
* نقلاً عن جريدة "الحياة" اللندنية |
