طبـاعة


حفـظ


ارسال
السبت 14 رجب 1428هـ - 28 يوليو 2007م

سباق الفتاوى و«النفخ في الزبادي»

 

محمد صلاح

في الموروث الشعبي المصري مثل عامي يقول «اللّي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي» والمعنى واضح، لكن مفتي مصر الدكتور علي جمعة لا يلتفت الى أمثال كتلك ويصر كل مرة على ألا ينفخ لا في الشوربة ولا في الزبادي، وبعد أن تقع الواقعة وتثير احدى فتاويه أو الآراء التي يطلقها ضجة كبيرة يعود ليتهم الإعلام والإعلاميين بالنفخ في «الكير» وتسخين الاجواء لتحقيق انتصارات صحافية، أو يعود ليوضح أن فتواه لم تنقل حرفياً أو اسيء تفسيرها أو استغلها البعض للإساءة إليه.

تكرر الأمر على مدى الشهور الماضية مرات عدة، كانت آخرها واقعة المقال الذي كتبه المفتي جمعة ونشرته صحيفة «واشنطن بوست» الاميركية وفُهم منه أنه أجاز الردة عن الإسلام. وحين استغرب الناس الفتوى وغضب رجال الدين في مصر وخارجها، سارعت «دار الافتاء المصرية» الى نفي ما ورد على لسان جمعة في المقال، وأكدت أن المفتي «لم يجز الردة وانما اكد على حرمتها». وأطل جمعة في اليوم التالي ببيان في «واشنطن بوست» أيضاً اتهم فيه الصحف المصرية بالتركيز على موضوع الردة من دون باقي المقال الذي كان يتحدث عن الحرية، مشيراً إلى أن المقال «تضمن وقائع تاريخية تؤكد أن حد الردة لم ينفذ إلا على هؤلاء الذين ارتدوا عن الاسلام ثم سعوا الى افساد المجتمع»، وانه «اذا لم ينل المرتد عقابه في الدنيا فإن الله سيعاقبه في الآخرة».

وبغض النظر عن ملابسات ما جرى وما تضمنه مقال المفتي جمعة ثم توضيح دار الافتاء وبيان المفتي، فإن الواقعة أثبتت أن عليه أن يدرك أن التعامل مع وسائل الإعلام المحلية والدولية في عصر الفضاء المفتوح والتقنيات العالية لوسائل الاتصال التي حوّلت العالم الى قرية كونية صغيرة لا يمكن أن يتم بالأساليب والمفردات نفسها التي استخدمها غيره من رجال الدين في أزمنة سابقة.

قد تكون فتاوى جمعة وآراؤه هي في صحيح الإسلام، وربما تكون الضجة حولها كل مرة بسبب فهم خاطئ لها أو أن بعض المغرضين يسعى الى الاساءة اليه، لكن موقع المفتي يفرض عليه الحرص والتمهل والتعقل ودراسة ردود فعل الآخرين وتفويت الفرص على «المغرضين»، خصوصاً أن المفتي جمعة نفسه لا يتوقف عن انتقاد «فوضى الفتاوى» عبر الفضائيات ويسعى ومعه آخرون من رجال الدين في الدول العربية الى وضع حد للانفلات والتشرذم وربما الصراع بين بعض الشيوخ والسباق بينهم لكسب عقول الناس وأفئدتهم من دون علم أو دراسة.

قد تمارس بعض الصحف المصرية والعربية والفضائيات انتهازية مهنية وتتسابق على نقل اراء جمعة وفتاويه ثم تسعى لاحقاً الى جمع ردود الفعل حولها وعرضها للناس وتُدخل الرجل في اتون حرب فقهية قد يكسبها أحياناً أو يخسرها في أحيان اخرى، لكن الأمر على هذا النحو يظهر مفتي مصر وكأنه طرف في السباق وان أضواء المصابيح وعدسات الكاميرات تجذبه كي يفتي اكثر ويدلي بدلوه في أمور ظلت محل خلاف بين علماء المسلمين لقرون وتكون النتيجة اهتزازاً شديداً لمكانة الموقع الذي يشغله.

قد يرى البعض أن وراء مقال جمعة في «واشنطن بوست» هدفاً نبيلاً يقوم على طمأنة الغرب وتوعية غير المسلمين بالاسلام والدفاع عن الدين الحنيف وإظهار المسلمين في مظهر المتسامحين غير المتشددين. لكن الضجة التي أفرزها المقال اثبتت ان الغرض منه لم يتحقق، بل انه كما يقول المصريون في حالات مشابهة «مثل صفقة الاسلحة الفاسدة قبل ثورة يوليو 1952»، أي تلك الاسلحة التي تشتريها كي تدافع بها عن نفسك أو تهاجم بها عدوك فتنفجر فيك.

* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

عودة للأعلى