داود الشريان
بررت سورية انسحابها من اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم الاثنين الماضي، الذي خصص لمناقشة الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش لعقد مؤتمر دولي للسلام في الخريف المقبل، بخوفها من أن مناقشة الوضع الفلسطيني في ظل حالة الانقسام الفلسطيني القائمة إنما تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية. التبرير السوري كلمة حق يراد بها مصلحة إيران، وينطوي على تخوين العمل السياسي العربي الجماعي، فضلاً عن أن دمشق هي آخر من يحق له الحديث عن قضية الانقسام الفلسطيني، فهي تاريخياً كانت، ولا تزال، العامل المشترك في هذا الانقسام. فقبل اتفاق اوسلو كانت دمشق تتبنى الفصائل الفلسطينية اليسارية، وحين انخرطت منظمة التحرير بكل فصائلها في مشروع التسوية، تبنت الفصائل الإسلامية الفلسطينية، لتستطيع الاستمرار في دورها القائم على اللعب بأوراق الآخرين.
لم يصدر عن اجتماع القاهرة ما يشير إلى أن العرب ماضون في التفاوض نيابة عن الفلسطينيين، أو عن جزء منهم وبأي ثمن. فوزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط أشار خلال عرضه تفاصيل لقائه بالمسؤولين الاسرائيليين مع نظيره الأردني، إلى أن «زيارة الوفد كانت لشرح المبادرة وليس للتفاوض باسم الجامعة أو نيابة عن الجانب الفلسطيني»، ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قال بوضوح «إننا نرى ضرورة أن يكون هناك مؤتمر يتطرق إلى القضايا الرئيسية مثل الحدود وعودة الفلسطينيين والقدس، وألا يكون مؤتمراً فقط للجوانب الشكلية والتقاط الصور الفوتوغرافية لاجتماعات لا جدوى منها، وهذا هو موقفنا» والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أكد على ضرورة شمولية المؤتمر الدولي على كل المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية وحضور كل الأطراف هذا المؤتمر للوصول إلى تسوية للصراع العربي - الإسرائيلي، وقبل هذا وبعده بدا واضحاً أن الجامعة العربية ماضية نحو التوصل إلى تمثيل فلسطيني موحد من خلال لجنة تقصي الحقائق التي شكلت بناء على قرار الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري الذي عقد في منتصف شهر حزيران (يونيو) الماضي عقب الخلاف الفلسطيني على السلطة.
ان تصوير التحرك العربي في القاهرة باعتباره تحالفاً مع أميركا وإسرائيل ضد المقاومة، هو محاولة يائسة وفجة لتبرير نفوذ إيران في المنطقة وتدخلها في العراق ولبنان، والتهديد الذي تشكله عبر برنامجها النووي ودعمها لدولة «حزب الله» في لبنان، فضلاً عن انه تعبير عن مزايدة وغرور سياسي وتكريس لتلك الرؤية السياسية الشعاراتية التي عانى منها الموقف العربي لسنوات طويلة، كما أن النظر إلى ما جرى في القاهرة باعتباره تخاذلاً في الموقف العربي هو تزييف للواقع. فالموقف العربي اليوم أحسن حالاً مما كان عليه عشية الغزو العراقي للكويت، فنحن اليوم نلمس موقفاً عربياً عقلانياً، يتحرك ضمن منطق المصالح، ويفرق بين الأوهام والحقائق، وينظر الى المشكلة نظرة شمولية، فالقضية الفلسطينية اليوم لم تعد معزولة عما يجري في العراق ولبنان، والاستجابة السريعة للدعوة الأميركية في هذه الظروف لا تعني أن العرب متهافتون على قضية السلام بقدر ما تشير إلى حرص التحرك العربي على استغلال حاجة واشنطن إلى موقف إقليمي للضغط على إيران للتخلي عن طموحاتها النووية، وتحقيق تقدم في قضية الدولتين، بخاصة أن واشنطن غيرت موقفها تجاه مركزية القضية الفلسطينية، وبات من المفيد تجريب هذا الموقف الجديد، حتى لو أن النتيجة من وراء هذا التحرك العربي هي مجرد التأكيد أن واشنطن تعلن شيئاً وتريد آخر.
الأكيد أن الحديث عن انقسام عربي في مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة كذبة أطلقتها دمشق وصدقها بعضهم. فالموقف الجماعي العربي تجاه القضايا السياسية في المنطقة يمر اليوم بأحسن حالته، فهو تجاوز مرحلة الشعارات، ودعم الخروج على الشرعية لأسباب كاذبة، ولهذا فإ خروج دمشق عن الإجماع العربي لا يشكل انقساماً في الإجماع العربي. فالشذوذ السوري يثبت هذا الإجماع ولا ينفيه، فضلاً عن أن موقف النظام السوري ليس جديداً، وإذا كان ثمة جديد هذه المرة في موقف سورية فهو أنها كانت في السابق تغلف مواقفها بالغيرة على المصالح الفلسطينية وشعارات الصمود والتصدي، التي كانت دمشق أول من انتهكها. أما اليوم فإن دمشق تسعى لتشق الصف العربي من اجل تكريس نفوذ طهران في العراق، والاستمرار في تنفيذ السياسة الإيرانية في لبنان، وحماية نظامها من تداعيات اغتيال رفيق الحريري.
*نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية |
