طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 24 رجب 1428هـ - 07 أغسطس 2007م

الحلقة الضائعة بين صراع الحضارات والحكم الرشيد

 

فرأنسيس فوكاياما

حاجج البروفيسور صموئيل هنتنغنتون في كتابه «صدام الحضارات» الصادر عام 1996 أنه بعد الحرب الباردة لن يتحكم النزاع بين الآيديولوجيات المتنافسة بالسياسة العالمية، بل ستكون النزاعات بين الحضارات والثقافات هي العنصر المهيمن.

وكتب أن قوة الثقافة ستعرقل الاندماج بين قوى العولمة وسيصبح الناس أكثر ولاء إلى ما هو خاص بثقافاتهم من ديانات وأواصر إثنية وروابط تاريخية.

وحدد هنتنغتون قيم عصر التنوير الغربية والديمقراطية وحقوق الفرد باعتبارها تجسيدا للمسيحية الغربية، وهذا ما سيجعل الثقافات الأخرى، التي تؤمن بقيم أخرى، تخلق أنماطا مؤسساتية مختلفة. وحسب مخطط هنتنغتون فإن روسيا تنتمي إلى فضاء ثقافي آخر مختلف عن الغرب بسبب التقاليد الدينية المتجذرة في المسيحية الأرثوذكسية.

وخلال العقد الذي تلا صدور الكتاب، جادل الكثيرون بأن فرضية صدام الحضارات التي طرحها هنتنغتون أثبت مسار الأحداث صحتها. فهناك تصاعد واسع في الطاقة الدينية بالنسبة للإسلاموية المتطرفة، لكن هناك أدلة أخرى أيضا تشير إلى تحقق ذلك في مناطق أخرى أيضا مثل جنوب آسيا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة وروسيا. ويعود معظم الغليان السائد في الشرق الأوسط إلى الإرهاب المتلبس لباس الدين وإلى رد فعل الولايات المتحدة عليه بعد 11 سبتمبر 2001، وفي مناطق أخرى مثل شرق آسيا، حيث هناك تصاعد لما يكون تسميته بالوطنية ـ الإثنية.

يمكن القول إن القضايا التي أثارتها موضوعة صدام الحضارات هي مناسبة لموضوعنا هذا، لأنها تثير السؤال التالي: حينما نفكر في الاندماج الإقليمي هل نضع حدود التعاون حسب العوامل الثقافية، أم هل نحن نتبع ما يفرضه منطق الاقتصاد؟ وهل يتم توليد الثقة بفضل الثقافة، أم نحن نستطيع أن نندمج بشكل أكبر عالميا من دون هذا العامل؟

أنا أتفق وأختلف مع موضوعة «صدام الحضارات». أنا أتفق مع فكرة أن العوامل الثقافية أصبحت العدسات التي ينظر من خلالها الكثير من الناس للقضايا الدولية اليوم. من جانب آخر، أنا أؤمن بأن وجهة النظر هذه تقلل من شأن عوامل الاندماج التي تحرك التطور على مستوى عالمي، والطريقة التي تتم فيها عملية التحديث التي تفرض توحد المؤسسات والمقاربات في الإدارة والحكم بشكل متزايد عالميا.

هنتنغتون محق في اعتباره أن الهوية الثقافية والسياسية المستندة إلى ثقافة مشتركة لن تختفي في المستقبل المنظور. فالناس سيظلون يعرَّفون بشكل أولي على أساس الوطن والتقاليد والثقافة والمجتمع المحلي.

ولن تنتج العولمة توحدا ثقافيا ولن يكون ذلك، حسب رأيي، أمرا حسنا متى توفرت الإمكانية لتحقيقه.

وسيكون ذلك غير ديمقراطي تماما إن بادرت قوى العولمة الاقتصادية بنزع القدرة عن المجتمعات المحلية في تحديد الكيفية التي تتم وفقها صياغة حياتها السياسية المشتركة.

وفي المقابل، من المؤكد أن على بلدان أخرى أن تتبع طرقا أخرى للوصول إلى الحداثة. فالطرق التي اتبعتها أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان وروسيا وبلدان أخرى كانت مختلفة عن بعضها البعض.

تتشكل الحداثة والتنمية من جهود الأفراد الذين يعيشون في مجتمع ما، لا من خارجه. والبلدان قادرة على التعلم من بعضها البعض لكن قدرتها على صياغة ما سيترتب عليه الحال في أراض أجنبية محدودة جدا. وهذا ما تعلمته الولايات المتحدة وبطريقة مؤلمة خلال السنوات الأربع الماضية في العراق.

غير أن المسألة التي يتعين علينا معالجتها هي ما إذا كنا سنسلك طرقا مختلفة توصلنا الى نقطة النهاية، وهي نقطة نهاية حضارة عالمية واحدة، أو أن ثقافات مختلفة تتجه نحو مواقع مختلفة جوهريا. ورأيي، المناقض لرأي البروفيسور هنتنغتون، هو أن التحديث نفسه يتطلب، في المدى البعيد، التقاء الكثير من المؤسسات بغض النظر عن المنطلقات الثقافية. ويعتبر التكامل الاقتصادي بين الدول هو الأكثر إثمارا، ويؤدي الى أشكال الثقة الأكثر استدامة عندما تعتمد المؤسسات القانونية الشفافية بدلا من الأواصر الفضفاضة من القرابة الثقافية.

ويمكننا أن نرى سبب كون الأمر على هذا النحو بين الدول إذا ما أدركنا بصورة أفضل السمة الجوهرية للدولة الحديثة الفعالة ذاتها. والمنطلق لتنمية أي بلد هو الدولة التي عرفها السوسيولوجي الألماني ماكس ويبر باعتبارها احتكار القوة الشرعية فوق أرض محددة. ولكن بينما تبدأ الدولة بالقسر فإن معجزة الدولة الحديثة هي في قدرتها على حل مفارقة السلطة، وبالذات فإن على الدولة أن تكون قوية بما فيه الكفاية لفرض القوانين وتوفير النظام، غير أنها يجب أن تقيد ممارستها للقوة إذا ما أريد أن يكون هناك نمو اقتصادي.

وقلل كثير من المراقبين في الغرب من أهمية الدولة في الفترة الأولى لما بعد الحرب الباردة. وكان الاتجاه نحو الليبرالية الذي أعقب نهاية الشيوعية وغياب الاتحاد السوفياتي اتجاها مفهوما، إذا ما أخذنا بالحسبان حقيقة أن كثيرا من الدول كانت قد أصبحت قوية جدا أو متصلبة جدا أو الاثنتين، ليس فقط في الاتحاد السوفياتي وإنما أيضا في بلدان نامية أخرى. غير أنه في عملية التكيف قلصت بعض البلدان وظائف الدولة وقدراتها الحاسمة الى حد كبير.

وهكذا فإنه عبر أجزاء كثيرة من الفضاء ما بعد السوفياتي، خصوصا، كان هناك ما يمكن أن نسميه الإضعاف المفرط لسلطة الدولة.

والحقيقة أن ضعف دولة يفسر النمو الاقتصادي الضئيل في أجزاء كثيرة من العالم النامي. فكل المجتمعات بحاجة الى نظام وحكم قانون وحكومة توفر السلع الأساسية، وتقوم بتوزيع عادل معقول للموارد. وإذا لم يكن الحكام قادرين على أن يحكموا بصورة فعالة، وإذا ما كانوا فاسدين الى حد كبير ويستغلون الموارد العامة لأغراض خاصة، ويتصرفون بطريقة استبدادية، فإنهم بالتالي سيقلصون المدخرات والاستثمار الضروري للنمو الطويل الأجل. وهكذا فإنه ليس مما يثير الدهشة أنه بحلول أواخر سنوات التسعينات أصبح الحكم الأفضل والدول الأكثر كفاءة هي النظام الراهن. فكيف تحقق دولة حديثة الحكم الرشيد؟ الحكم الرشيد ليس هبة يمنحها الحكام الى المحكومين. إنه يتعين أن يعتمد، في خاتمة المطاف، على آليات المساءلة التي تضمن أن يقوم الحكام حقا بخدمة مصالح المحكومين وليس فقط مصالحهم الخاصة أو مصالح أصدقائهم وعوائلهم.

ولهذا السبب فإن البنك الدولي يؤكد منذ سنوات على المساءلة الأكبر باعتبارها أساس الحكم الأفضل. ويمكن للحكومات أن تكون مسؤولة بعدد من الطرق. والمألوف الأكثر هنا هو آليات المساءلة العمودية المعروفة بالانتخابات. ولكن هناك أيضا آليات المساءلة الأفقية التي تعمل عندما تقوم أقسام مختلفة من الحكومة، بمسؤولياتها ووظائفها المحددة، أي الأداء المتبادل مع بعضها البعض.

ويعتبر البرلمان والقضاء، المستقلان عن السلطة التنفيذية، حاسمين بالطبع في هذا الإطار. وفضلا عن ذلك هناك آليات المساءلة العمودية خارج النظام السياسي الرسمي. وتتطلب المساءلة معاهد توفر الشفافية في ما يتعلق بسلوك الحكام، ذلك أن الحكومات السيئة نادرا ما تتحدث عن إخفاقاتها. وهذا هو السبب الذي يجعل الحكم الرشيد بحاجة الى مؤسسات إعلامية مستقلة ومؤسسات للمجتمع المدني لمراقبة أداء وسلوك الدولة. ولهذا فان الدول الحديثة الفعالة تتسم بالقيود التي تضعها على نفسها كما تتسم بقابليتها على تركيز السلطة.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية

عودة للأعلى