د.
عمار علي حسن
لو أمعنا النظر في خطاب «الحركة الإسلامية» وممارساتها الحالية، لأدركنا أن هناك عناصر عدة حالت دون أن تواصل البذرة التي غرسها الإمام محمد عبده نموها وترعرعها، فتفتح نوافذ التصور الديني على معطيات العصر ومقتضياته، فتكرر التجربة الفريدة التي حدثت في عصر الخليفة العباسي المأمون لتنتهي الأمور إلى ما آلت إليه، حيث يعلو صراخ التطرف على صوت الاعتدال، وتجنح الرؤية إلى التعصب دون التسامح، ويركن الفهم إلى الجمود وليس التجدد، وتلتفت الأعناق إلى الوراء، فلا ترى ما تحت الأقدام ولا ما يرنو في البعيد.
والأسباب التي عوقت التجديد السياسي للإسلاميين كثيرة، وسأضرب مثلاً هنا بالحركة الإسلامية في مصر، ليس لكونها الحركة الأقدم في العالم العربي فحسب، بل أيضاً لأنها ألهمت التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في المنطقة برمتها، ويمكن إجمال هذه الأسباب في النقاط التالية:
1 ـ الخبرة السيئة للاستعمار: فسلوك الاستعمار الفرنسي والإنجليزي في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية رشح بقوة على ما وراء الحملات العسكرية التي قبضت على القطر المصري، من حضارة فكرية وعلمية، بل طغى عليه، فلم يعد المصريون ينظرون إلى الأجانب الجاثمين على أرضهم إلا من منظور «الحروب الصليبية» و«الاستغلال» أو «فائض القيمة التاريخي»، وبعد الاستقلال بدأ بعض الغرب في نظر أتباع الحركة الإسلامية المصرية هو السند القوي للنظام «العلماني» في مصر.
ولأن الإسلام كان في طليعة المقاومة دوماً، حتى في الأوقات التي كانت النخبة الليبرالية المصرية أيام ثورة 1919 تأخذ على عاتقها التفاوض من أجل الاستقلال، فإن إمكانية التعامل مع «الأفكار الليبرالية» الغربية على محمل «التلاقح الحضاري» أو حتى حسب منطق «بضاعتنا ردت إلينا»، كانت تجد أمامها حواجز وعوائق من الصعب النفاذ منها أو تخطيها بيسر وسهولة.
وانطبع هذا التصور فيما بعد على أدبيات «الحركة الإسلامية المصرية» في مرحلة ما بعد الاستقلال، إذ نظرت إلى الغرب على أنه «كافر» و«استعماري» و«دار حرب» يجب الجهاد كي تتحول إلى «دار إسلام». ثم نظرت هذه الحركة بعين الريبة إلى كل ما يرد من الغرب حتى لو كان في حقل الأفكار والمعارف، خصوصاً الإنسانيات.
وبدا لها أن إنتاج معادل للتجربة السياسية الغربية، في اصطلاحاتها وإجراءاتها، أمر في غاية الضرورة. ومن ثم حفلت كتابات الرعيل الأول من «الجماعة الإسلامية» و«تنظيم الجهاد» ومن قبلهما «الإخوان المسلمين»، بحديث عن «الشورى» لا «الديمقراطية» و«البيعة» بدلاً من «الانتخاب» و«مجالس الشورى» وليس «البرلمانات» و«الأمة» لا «الدولة» و«الخلافة» لا «الإمبراطورية».الخ.
ولم يقف الأمر عند حدود المصطلحات والمفاهيم العامة، بل امتد إلى الإجراءات العملية، في محاولة عاجزة لإنتاج بديل سياسي ينهض بواقع مغاير لذلك الذي كان عليه المسلمون الأوائل، الذين أفرزوا تجربة سياسية ناضجة جديرة بالاحترام، قياساً إلى عصرهم وما كانت عليه الأمم والإمبراطوريات التي عاصرتهم.
2ـ إجهاد ما بعد الاستقلال: فإزاحة الاستعمار الإنجليزي لم ترتب للحركة الإسلامية المصرية وضعاً أكثر أمناً وانفتاحاً، بل حدث العكس. ففي ظل الصراع على السلطة عقب الاستقلال مباشرة، وجدت هذه الحركة ممثلة في «جماعة الإخوان المسلمين» نفسها متهمة بالخيانة و«التطرف»، ثم «الإرهاب» الذي وصمت به عشرات الجماعات التي خرج بعضها من عباءة الإخوان ونشأ بعضها ليضارعها وينافسها قامة وقيمة، والبعض الثالث أفرزته بيئة خاصة بعيداً تماماً عن تأثير الإخوان.
وهذا الوضع المتأزم، جعل خطاب هذه الحركة بشتى جماعاتها وتنظيماتها متأزماً أيضاً، رافضاً للحوار، ومتشككاً في نوايا النظام الحاكم، يقدم «الأمني» على «الفكري» ويأخذ بالحيطة في كل ما يبدر عنه. وفي ظل هذا التربص والالتباس، لم يتوفر المناخ الذي يسمح للجماعات الإسلامية المصرية بأن تطور خطابها الفكري والسياسي، نحو أي توجه «ليبرالي» أو غيره.
3 ـ إخفاق أنصار الحرية السياسية: فمحاولاتهم لم تجد طريقاً إلى النجاح الصريح الذي يؤسس ـ حتى لو أزاحته حركة سياسية عابرة أو عارضة أو ذات شرعية قانونية وسياسية في إطار التعددية وتداول السلطة ـ تياراً اجتماعياً قوياً، يحمل رايته ويدافع عن أفكاره ويجاهد من أجل الوصول إلى سدة الحكم، أو حتى التسيد الاجتماعي الناصع. وانتهت الليبرالية المصرية، تحت وطأة الشمولية، إلى بعض أفكار يهمس بها أناس معتكفون في أبراجهم العاجية، ينتج بعضهم أفكاراً لا تجد صدى سوى لدى قلة محدودة.
هذا بالطبع أثر سلباً على تصورات الحركة الإسلامية المصرية، التي رأى أتباعها أن التيار الليبرالي أفلس في تقديم حل ناجع للمشكلات التي يواجهها المجتمع المصري، ومن ثم فليس هو الأحق بالحصول على ثقة الجماهير وتأييدها، وليست أفكاره تستحق الالتفات إليها، لأنها مخفقة مبتسرة تحاول أن تستعير تجارب مجتمعات مغايرة لتطبقها في مصر.
وطالما حفلت أدبيات الحركة الإسلامية، بمختلف أطيافها، بمثل هذه الاتهامات، سواء في وثائق هذه الحركة وكتبها الأولية، أو على صفحات الجرائد والمجلات التي تنطق باسمها أو تتعاطف معها، ناهيك عن مئات الكتب التي هاجمت أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وتوفيق الحكيم وطه حسين وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد سعيد العشماوي وسعيد النجار..الخ.
ولقد كان الأخير أكثر إيجابية في التعامل مع الجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، إذ أيد التفسير المستنير للإسلام، ولم يمانع من قبول «الحركة الإسلامية» في المشروعية السياسية، وفق شروط عدة في مقدمتها عدم تعارض تفسيرات الإسلام مع العلم، واهتمام هذه الحركة بالقضايا الاجتماعية الحقيقية مثل التخلف والفقر والتبعية، والاعتراف بحقوق الإنسان بوصفها لا تتعارض مع التفسير المستنير للشريعة، واحترام الدستور باعتباره قضية تخص الجميع، واحترام قواعد الديمقراطية التي تعني النزول على رغبة الأغلبية.
لكن النجار وغيره من الليبراليين، لم يشتبكوا في حوار حقيقي مع «الإسلاميين»، بل حدث العكس، إذ مال أغلبهم إلى جانب السلطة في حربها ضد المتطرفين، طمعاً في أن تدرك الأخيرة أن غياب الديمقراطية هو السبب الأول في انتشار العنف، لكن الأخيرة تجاهلت هذه الإشارة، وسارت في الاتجاه المضاد، عبر التمسك بالقوانين الاستثنائية، وادعاء أن الديمقراطية ستقود إلى اختطاف المتطرفين للسلطة وانقلابهم على الآليات الديمقراطية.
4 ـ ضعف نفوذ «مجددي» الرؤية الإسلامية في مصر: فأغلب ما تركه هؤلاء وما لا يزالون يواصلون إنتاجه يفتقر إلى الأصالة، ولا يعدو كونه محاولات تلفيقية ترمي، قسراً، إلى التوفيق بين الخصوصية المجتمعية الإسلامية المصرية والمنتج الحضاري الغربي بتجلياته المغايرة.
علاوة على ذلك فإن أغلب من يتصدون لتجديد الرؤية الإسلامية ليسوا أهلاً لهذا، فإما أنهم مطالعون لما جاد به التراث الإسلامي، حافظون للنص الأصلي وتفاسيره دون أن يمتلكوا الإلمام بمجريات الواقع المعيش، وإما العكس. أي واعون بالوقائع والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة، دون أن يكون لديهم إلمام كاف بأصول الإسلام وجذوره.
*نقلا عن جريدة "البيان" الإماراتية |
