طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 12 رمضان 1428هـ - 24 سبتمبر2007م
بناء البشر... أولى من بناء المساجد
 

خالد الحروب

هناك جدل متواصل في بريطانيا بشأن نية بعض المسلمين (جماعة التبليغ), بناء مسجد في منطقة شرق لندن سيعتبر الأكبر في بريطانيا, إن لم يكن في أوروبا كلها.

وبحسب ما نشر عن تصاميم المسجد فإنه من المقدر له أن يتسع لـ40 ألف شخص, ومع احتمالية لتوسيعه وبحيث تصبح سعته النهائية 70 ألف شخص. وفي إسبانيا هناك أيضاً أكثر من قضية مُثارة بشأن بناء مساجد كبيرة في أكثر من مدينة, منها مدينة قرطبة. وفي ألمانيا قضية أخرى متعلقة ببناء مسجد ضخم في مدينة كولونيا قرب بون. ما الذي يحدث, ولماذا هذا الإصرار من قبل المسلمين في أوروبا على بناء مساجد بالغة الضخامة, ولماذا تلك المعارضة الشعبية والسياسية من قبل المجتمعات المضيفة لبناء مثل هذه المساجد؟

ابتداءً لابد من الإشارة إلى أن المناخ العام في أوروبا قد تغير بعد إرهاب الحادي عشر من سبتمبر 2001, ثم إرهاب تفجيرات القطارات في مدريد سنة 2005, وتفجيرات القطارات في لندن عام 2005, وكذلك اغتيال المخرج الهولندي الذي أنتج فيلماً عن اضطهاد المرأة المسلمة, ثم ما تبع ذلك من مظاهر عنف رافقت الاحتجاج على صور الكاريكاتور الدانمركية وخطاب البابا الشهير.

بعد كل ذلك صار يُنظر للمسلمين نظرة شك عميق وبأنهم مصدر للتهديد والعنف، وأن بعض مساجدهم يفرِّخ إرهابيين ينقضُّون أول ما ينقضون على المجتمع المحيط بهم. وصور "المتديِّنين" من ذوي اللحى، الذين اعتادوا أن يرتادوا مساجد أحيائهم في المدن الأوروبية، والذين كانوا يظهرون في أشرطة الفيديو بعد كل عملية إرهابية يتفاخرون بأنهم وراء هذه العملية أو تلك، دمرت وضع الجاليات الإسلامية قبل أن تدمر أي شيء آخر. بيد أن الجاليات الإسلامية الكبيرة في أوروبا، والتي غالبيتها الكاسحة مسالمة وغير مؤيدة لكل ذلك الإرهاب والعنف تتحمل أيضاً مسؤولية ضخمة في عدم الدفاع عن صورتها السلمية. في إسبانيا مثلاً, ذكر لي أكثر من صديق أنه من الصحيح أن صورة المسلمين قد تردت بتسارع في البلد بسبب تفجيرات القطارات, لكن ما رسخ منحى التردِّي هو الصمت وعدم الاكتراث العام في أوساط الجالية المسلمة.

لم تخرج تلك الجالية لتدافع عن صورتها وتتظاهر بقوة ونشاط ضد الفئة المتطرفة منها التي قامت بذلك الإرهاب. ولم يشعر الإسبان وعلى نطاق واسع بأن مسلميهم متضامنون معهم بشكل استثنائي. وقد فُهم ذلك الصمت وكأنه استحسان غير مباشر وموافقة على ما حدث. ونفس الأمر ينطبق على مسلمي بريطانيا الذين ظلت غالبيتهم المسالمة صامتة وغير فعالة في مواجهة أولئك الذي يخرقون السفينة على الجميع. طبعاً هناك تفسيرات اجتماعية وسياسية لعدم الفاعلية التي تثير الاستفزاز في أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا, أهمها انخفاض مستوى الوعي العام, وثقافة الخوف التي جاءت بها من بلدانها الأصلية والتي تحظر التظاهر والمشاركة في الشأن العام. كثيرون من أبناء الجالية المسلمة يظنون أنهم سيساقون إلى المخابرات والاعتقالات أو توضع عليهم نقطة سوداء إن شاركوا في مظاهرة سلمية أو احتجاج على قضية تمسهم.

وعلى العموم وفي خضم المناخ السلبي العام الذي تطور تجاه مسلمي أوروبا لا يتعامل أولئك المسلمون بالحساسية المطلوبة والمناسبة للظرف الذي يمرُّون به. بل يتصرفون ويخططون لمشروعات مراكز دينية ومساجد وكأنهم في كوكب آخر. والمشكلة هنا هي أن كل جماعة إسلامية أو جالية معينة تتصرف وتفكر بعيداً عن الآخرين و"مشاكلهم". فـ"جماعة التبليغ" مثلاً التي تقف وراء فكرة بناء المسجد الضخم في شرق لندن لا علاقة لها بالسياسة وهي جماعة هادئة وسلمية, لكنها تتصف بعقل سياسي واجتماعي محدود فعلاً بحيث تظن أن ما تفعله ببناء المسجد سوف يكون متصلاً بها وحسب وليس متصلاً بكل المسلمين في بريطانيا. وتنسى أن البريطانيين لا يفرِّقون بين الجماعات الإسلامية وشرائح الجالية المسلمة, بل يرون جحافل متشابهة من المُلتحين ولابسي الأثواب الطويلة والنساء المنقَّبات, وهذا كله يؤدي إلى استفزار المجتمع المحيط وزيادة العنصرية.

إن إنفاق ما يقارب 300 مليون جنيه إسترليني, أي ما يزيد على نصف مليار دولار, على بناء جامع ضخم في شرق لندن لن ينفع المسلمين هناك بل سيضرهم. يمكن بناء مساجد لا تحصى بمثل هذا المبلغ وفي أماكن متفرقة من بريطانيا تكون غير مُبالغ فيها وفي بروزها وفي تحديها للمجتمع المحيط. هذا كله إذا افترضنا أن إنفاق هذه المبلغ الضخم في بناء المساجد هو الأولوية الأولى, وهو بالتأكيد ليس كذلك. ففي وقت تلتهم فيه المجاعات والفقر والأمية والأمراض ملايين المسلمين وغير المسلمين في العالم فإن ما هو ملحٌّ أكثر من بناء المساجد هو بناء البشر. والذي يجب أن يخجل منه بعض المتبرِّعين لبناء مساجد كبرى في أوروبا, تؤدي إلى زيادة العنصرية ضد المسلمين هناك, هو أن عمليات إنقاذ فقراء المسلمين في العالم, من أفغانستان إلى دارفور, إلى الصومال, إلى إندونيسيا, تتم بأموال منظمات غربية وأوروبية في غالبها.

طبعاً هناك من سيتساءل حول "التسامح الأوروبي" ولماذا لا يقبلون الآخر؟ وكيف يرفضون المسلمين وبناء المساجد؟ وسوى ذلك. وفي هذا هروب من القضية الأساسية, فالمسألة المطروحة هنا هي باختصار عدم المبالغة في تحدِّي المجتمعات الأوروبية من خلال التركيز على المظاهر الدينية والتشاوف بإعلانها عبر المساجد الكبرى أو المراكز أو غيرها. فهذه المجتمعات في نهاية الأمر مجتمعات غير متدينة، ولا تشعر بكثير من التعاطف حتى مع الكنائس, ناهيك عن المساجد.

ورغم ذلك فإن أية مقارنة بين تلك المجتمعات والمجتمعات الإسلامية إزاء حرية الممارسات الدينية تجعلنا نشعر بالخجل. يكفي أن نسأل في أي عاصمة بلد إسلامي يمكن أن تبنى كنيسة أو معبد لغير المسلمين مثلاً يكون أضخم من أي مسجد فيها؟ وفي أي بلد إسلامي يمكن شراء مساجد وتحويلها إلى كنائس أو معابد لغير المسلمين, كما هي حال الكثير من المساجد الحالية في أوروبا التي لا تزال فوق أبراجها الصلبان القديمة من أيام أن كانت كنائس؟ بل هل تستطيع بعض الجماعات الإسلامية الناشطة في أوروبا سواء في بناء المساجد أو غيرها أن تنشط بنفس الحرية والمقدار في بلدانها الأصلية؟

ليس هذا ليُقال إن أمزجة كل الأوروبيين رائقة وتخلو من العنصرية تجاه المسلمين أو تجاه غير الأوروبيين, إذ هناك عنصرية كامنة ويمين متطرف يحمل برامج مخيفة, بل ببساطة لمجرد القول إن النظرة للدين والطقوس الدينية ليست مركزية في الوعي العام للناس. وغالبية الناس لا تكترث بالدين وهناك بوجه عام ثقافة تحترم خيارات الأفراد والجماعات في ممارسة ما يريدون. وهذا للقول أيضاً إن القانون يقوم على احترام ورعاية مصالح الأفراد حتى الدينية منها, ويجبر بعض المجالس البلدية على دعم بناء المساجد مادياً. وعلى ذلك فإن الغائب الأكبر حالياً في أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا هو الحكمة في التعامل مع ظرف تاريخي يمتاز بحساسية خاصة. بناء المساجد الكبرى في المدن الأوروبية ليست إليه حاجة, بل فيه استفزاز وتحدٍّ يعود بالضرر على مجاميع المسلمين هناك.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: