محمد الحسن أحمد
بعد الهجوم الشنيع الذي شنته جماعات من فصائل المتمردين في دارفور على قوات حفظ السلام الإفريقية أخذ العالم يدرك بجلاء المواقف العبثية لتلك الفصائل ومحاولاتها تخريب فرص التفاوض التي يجري الإعداد لها أواخر هذا الشهر في ليبيا.
ففرنسا التي كانت قد أعلنت على لسان وزير خارجيتها أنها عجزت عن إقناع عبدالواحد بضرورة المشاركة في المفاوضات لكنها لا تفكر في إبعاده، عاد وزير خارجيتها غاضباً ليعلن أن بلاده تبحث احتمال طرده، وقال بالنسبة لرئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي سيكون مؤيداً لطرده، مضيفاً “كل العالم يتوقع منا أن نفعل ذلك”، مشيراً إلى أن عشرة رؤساء دول توافدوا للقائه والتحدث إليه بضرورة المشاركة في المفاوضات لكنه لم يقتنع.
ولعل من سوء حظ فصائل التمرد المسلحة أن عملية الهجوم الغادر على القوات الإفريقية حدثت قبيل مجيء وفد الحكماء العالمي لزيارة دارفور والذي يضم الرئيس الأمريكي السابق كارتر والقس ديزموند توتو والدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي والسيدة ميشال عقيلة نيلسون مانديلا.
وفي أول تصريح صحافي له اعتبر كارتر “أن غالبية جماعات التمرد لا تمثل شعب دارفور وليست لها قاعدة شعبية سوى عناصرها”. وقال “يجب أن يكون لأعضاء المجتمع المدني صوت في المحادثات” وتمنى أن يتحلى المشاركون فيها بالصبر لأن هذه مسألة معقدة لا يمكن حلها في بضعة أيام أو بضعة أسابيع.
وفي واشنطن اعترضت الإدارة الأمريكية على مشروع قانون أجازه الكونجرس يلزم الشركات الأمريكية بالانسحاب من شركات أجنبية تعمل في السودان عقاباً للحكومة في مسألة دارفور.
وحذرت مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الإفريقية جينداي فريزر من فرض أية عقوبات على السودان بشأن دارفور معلنة أنهم توصلوا مع السودان إلى نقطة حاسمة في الجهود المبذولة للوصول إلى اتفاق، وأن من شأن هذه المبادرات الرامية لزيادة الضغوط على السودان أن تلحق ضرراً بالعلاقات الأمريكية- الأوروبية، وأنه من المهم تفادي أي تحرك يمكن أن يؤثر في التقدم المحرز حالياً. وفي الخرطوم أصدرت سفارة الولايات المتحدة بياناً شديد اللهجة شجب الهجوم ودعا إلى ضرورة التوجه إلى المفاوضات بنوايا سليمة ورغبة جادة في الوصول إلى السلام المنشود.
أما على الصعيد الإفريقي فإن كل أو جل الدول الإفريقية عبرت عن شجبها وغضبها مما وقع لقوات الاتحاد الإفريقي، وقال مفوض السلام والأمن في الاتحاد “إن الدول الأعضاء غاضبة جداً من قتل وجرح جنود الاتحاد في دارفور، ولن نهدأ حتى يتم العثور على الجناة وتقديمهم إلى العدالة السريعة”، مؤكداً أن الدول الإفريقية مصممة على بقاء قواتها في دارفور حتى يستعاد السلام هناك.
كما أشار كثير من مسؤولي الاتحاد الإفريقي الذين يحققون في الهجوم على القوات الإفريقية بأصابع الاتهام إلى فصيلين متمردين لهما قوات في المنطقة. ويتطابق طلب الاتحاد الإفريقي تقديم المتهمين إلى المحاكمة السريعة والعادلة مع مطالبة مجلس الأمن الدولي بذلك، إلا أن الفصائل المتمردة المتهمة حاولت التواري عن الأنظار، ولكن الحقائق سرعان ما ستكشف عن الفاعلين، وسيجلبون للمحاكمة لا محالة.
وبقدر ما فقدت كل ميليشيات الفصائل المتمردة أرصدة دولية كانت تحسب لها في السابق سواء بسبب الهجوم على القوات الإفريقية أو مماحكاتها إزاء التفاوض المرتقب أو المزايدات والانقسامات في ساحاتها فإن المجتمع الدولي بدا أكثر جدية واهتماماً بالمفاوضات المرتقبة في آخر الشهر في الجماهيرية الليبية، معلناً أن كل من لم يحضرها سيتم عزله وعقابه، فضلاً عن الجهود المبذولة لمشاركة الجميع وبأجندة واضحة وموضع اتفاق مدروس.
وإذا كانت مسألة التعويضات واحدة من المسائل الكبيرة، فها هو كارتر قد أعلن في الخرطوم وعلى لسان البشير أنها ستكون ثلاثمائة مليون دولار عوضاً عن الثلاثين مليون دولار التي كانت قد اعتمدت في اتفاق أبوجا، ما يعني زيادتها عشر مرات. فضلاً عن تأكيد التزام الحكومة بوقف إطلاق النار حال استئناف المفاوضات، الأمر الذي لم تقره بعد غالبية الفصائل المتمردة.
وفي كل الأحوال فإن الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة عبر ممثليهم يعملون بجدية تامة في التحضير للمفاوضات حتى تكون مفاوضات حاسمة ونهائية، فضلاً عن الجماهيرية الليبية التي مهدت لها بالكثير من الجهود، أبرزها أنها توصلت قبل أيام من إبرام اتفاق سلام بين ثلاثة فصائل مسلحة والحكومة التشادية لإنهاء التمرد في تشاد وإتمام المصالحة الوطنية التي طال انتظارها هناك.
ولا شك في أن هذا الاتفاق خطوة مهمة وركيزة أساسية في تمهيد الطريق لسلام دارفور، إذ ليس من الممكن عزل سلام دارفور عن سلام تشاد، وبالتالي فإن المشكلة في جوهرها مشتركة ومن الصعب معالجة واحدة دون أخرى، وحسناً فعلت ليبيا كونها اهتمت بتلازم المسارين.
الآن المطلوب من كل فصائل التمرد الدارفوري إدراك المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة واستيعاب كل ما صاحب الهجوم على قوات الاتحاد الإفريقي مع فهم صحيح لعزم المجتمع الدولي على إنهاء الأزمة في المفاوضات المرتقبة باتفاق سلام شامل وعادل. لا أحد يرغب في الشماتة أو يتطلع إلى العقوبات وما إليها لأنها في النهاية لا تحقق الوفاق وإنما الرغبة المخلصة والجادة هي في أن يقبل الجميع على المفاوضات المقبلة بتجرد وحسن نية، واضعين نصب أعينهم مصالح الوطن فوق المصالح الشخصية.
*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية |
