إيمان القحطاني
انتابتني حاله من الضحك المرير أثناء قراءتي لصحيفة الوطن أمس حول زيادة ساعات العمل في بعض المهن، التي تتكدس –في كثير من الحالات- من خلالها العمالة الأجنبية في أقفاص من الظلم الإنساني في أبشع صوره الحديثة.
ومنبع تلك المرارة ليست في فحوى الخبر فقط، بل في ما وراء ذلك الخبر من قصص وحكايات ليست من نسج الخيال العلمي، بل هي واقع ملموس أراه متجسدا في حياتنا اليومية.
كنت قد كتبت من قبل عن قضية العمالة في السعودية وأشرت في مقال سابق أنها من أخطر القضايا العالمية والتي باتت مبعث قلق يؤرق نشطاء الحقوق الإنسانية ومنظريها، إلا أن صدمتي الحقيقة كانت في حجم انخفاض الوعي العام عند الغالبية العظمى بمعنى كلمة "حقوق" او مؤداها وهدفها الشامل نحو مجتمعات آمنة وصحية.
وبت لا أصدق أن ما أراه ظلما وإجحافا يراه غيري فضحا ومحاباة غير عادلة، ومن خلال عدد من القراءات و النقاشات وجدت أن البعض يركز على السلبيات التي نجمت عن هذا العدد الهائل من العمالة في بلدنا والذي يتجاوز الـ3 مليون عامل ولم استطع حتى هذه اللحظة ربط القضيتين ببعضهما حيث أن مفهوم الحق الإنساني لا علاقة له بما يطرحه البعض من سلبيات، حتى إن إحدى الكاتبات في الصحف المحلية قالت ردا على مطالبتي بتطبيق النظام- المليء بالثغرات أصلا- من حيث ساعات العمل والإجازة الأسبوعية الممنوحة بنص القانون السعودي في نظام العمل، أني داعية للإفساد، وعبرت على حد قولها أننا في تلك الحال سنضطر للكشف عن الخادمات والعاملات في المراكز النسائية حال عودتهن من إجازاتهن الأسبوعية للتأكد من خلوهن من الأمراض الجنسية المعدية!
لم تخرج تلك الكاتبة عن سياط المجتمع التقليدي البطريركي الذي يعتقد أن دينه وهويته الاجتماعية هي الأنقى والأكثر طهارة، وأن الآخرين ما هم إلا مجموعة من الغوغائيين لا يردعهم وازع أخلاقي أو ديني!
ثم إن الربط بين سلبيات العمالة ومبدأ منح الحقوق والإنصاف زج لا معنى له، إلا إن كنا سنقيس على ذلك كثيرا من الأمور، إذن فلن نصل إلى حل واضح يضمن حق الطرفين دون جور أو غبن.
كما أن تلك المقارنات أكدت لي بما لا يدع مجالا للشك أننا ما زلنا بحاجة إلى عقود من الزمان كي نصل إلى اعتناق تام لمبادئ حقوق الإنسان السامية وأن أمام الفرد العربي الناضج المؤمن بأفكار المساواة ردحا من الزمن حتى يصل إلى نتيجة مع شعوبنا العربية البائسة التي تنتهك الإنسان بسوط العادات والتقاليد المستمدة من استغلال البعض للدين لتحقيق مصالحهم الفردية، وأنا هنا لا أنتقد التراث الديني في محتواه، بل في استخدام الإنسان الحديث له كما هو دون محاولة للتجديد بما يناسب العصر ومقتضياته!
إذن فنحن هنا أمام إشكاليتين إحداهما اجتماعية والأخرى دينية تتسم بالجمود التاريخي والتفسيرات الفردية المتضاربة فيما يتعلق بحريات الآخرين وآدميتهم.
كما لا نغفل الدور السياسي الذي تلعبه الحكومات العربية كافة وبعض حكومات العالم الثالث من جنوب آسيا وجنوب شرقها في إهانة شعوبها وهدر حقوقهم لذا نراهم مهانين خارج بلدانهم وهي نتيجة طبيعية لتلك المعادلة. وفي هذا الصدد نتذكر جميعا التعذيب البشع الذي تعرض له عاملان مصريان في الكويت، وكيف نددت به الحكومة المصرية متناسية أنها هي من بدأ في غرس قطعة معدنية في دبر أحد مواطنيها كما أن مؤسستها الأمنية والتي من المفترض أن تحمي الشعب استباحت كرامة عشرات المواطنين؛ إما من خلال تعذيبهم وإهانتهم أو عن طريق التلذذ بذلك عبر تصوير أفرادها الساديين لتلك المشاهد والتي تثير التقيؤ والغثيان!
ومن خلال عملي كصحافية فلقد لمست مثل هذا الإهمال واللامبالاة، فبينما كنت أتابع ردود فعل سفارات البلدان التي توفي مواطنوها خلال تفجير إرهابي وقع في الرياض، اتصلت على أحد سفارات تلك الدول التي يعامل فيها المواطن كالحذاء المستعمل وصدمت من رد فعل أحد المسئولين في سفارة عربية حين قال بكل بساطة تعليقا على وفاة أحد مواطنيهم "نحن إخوان للسعوديين وما عندنا مشكلة" هكذا ببساطة دون مطالبة بتعويض أسرته المكلومة كما فعلت سفارات دول أخرى (وبالفعل حصلت على تعويضات مالية)، أو التنديد بالاعتداء أو حتى الترحم على مواطنهم أو إبداء أي شعور بالحزن!
ومتابعة للخبر الذي أشرت له في بداية مقالي والذي يتمحور حول قرار وزير العمل الدكتور (الشاعر والأديب والدبلوماسي) غازي القصيبي زيادة عدد ساعات العمل في بعض المهن لتصل إلى تسع ساعات دون أجر إضافي (ويشمل ذلك العمل في المطاعم والفنادق والشقق المفروشة والمقاهي والمقاصف والمستشفيات والمستوصفات والعيادات الطبية والأسواق والمحلات التجارية ومحلات الحلاقة والخياطة ومحطات الوقود). وذلك بعد دراسات مستفيضة، كما جاء في نص الخبر.
وفي هذا الصدد أتذكر أني كنت أتناول وجبة العشاء في ساعة متأخرة في أحد مطاعم الرياض الفاخرة ولاحظت احمرار عيني العامل الفليبيني وارتجاف يديه فبادرته بسؤالي "منذ متى وأنت تعمل؟" فظن أني أسأله عن مدة عمله في السعودية فقاطعته لا أسالك متى بدأت مناوبتك لهذا اليوم؟ (متأملة خيرا أن نظام المناوبات يطبق) فقال إنه يعمل منذ العاشرة صباحا!!
وحيث إنها كانت الثانية عشرة منتصف الليل، إذن فقد تجاوز العامل المدة النظامية المنصوص عليها في قانون العمل بسبع ساعات، فما الداعي إذن يا وزيرنا الحكيم لزيادة ساعات العمل ودون أجر إضافي ما دام النظام أصلا لا يطبق ولا يتابع ولا توجد لديكم آلية محاسبة رقابية دقيقة لمخالفي النظام، أم أن التصريحات الصحافية التي نراها من حين لآخر حول منع أحدهم من الاستقدام لمخالفته النظام هي لمجرد ذر الرماد في الأعين فقط!
ومن هنا تنبع الحاجة الماسة لمفهوم مأسسة الدولة "الدولة المدنية" ومن ذلك خلق نقابات عمالية تدافع عن حق العمالة، سواء أكانت محلية أو أجنبية، ولنا مثال في ذلك ما فعله عمال المواصلات والسكك الحديد وقطارات الأنفاق في فرنسا خلال الأيام الماضية من إضراب عام في المدن الفرنسية احتجاجا على تغيير امتيازات المعاشات الجديد؛ ما أدى إلى شلل حركة المواصلات العامة.
حقيقة لدي في الوقت الحالي عدد من الحالات التي أتعاطى معها بشكل شخصي والتي تتضمن انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان ومخالفة واضحة لنظام العمل ومن بينهم مشكلتان لعاملتين أحداهما هندية والأخرى فلبينية، الأولى انتهى عقدها منذ ما يقارب الشهرين، وذلك بعد عامين من المعاناة والشقاء مع كفيلتها التي تحبسهن كالفئران في مركزها التجميلي دون مراعاة لآدميتهن، عدا عن حرمانهن من الراتب الذي لم يتسلمن منه سوى مستحقات ثلاثة أشهر!!
إضافة إلى أنها تستخدمهن ليعملن في منزلها بعد أن فشل مركزها في استقطاب الزبائن وتحقيق الأرباح عدا عن اهتمامهن بزينتها وزينة كامل العائلة المصونة.
وشخصيا وقفت على حالة مرضية لإحدى عاملاتها والتي كان وجهها منتفخا جراء التهاب أسنانها والتي لم ترضخ تحت ضغوط رجائي لأخذها لطبيب دون علم كفيلتها رغم أنه لا يهمني حقيقة أن علمت. إلا أنها كانت شديدة الخوف ولم تقبل سوى بمسكّن لتخفيف ألمها الذي استمر لأسابيع!
وأتسائل: أين كفيلتها، ألم تر وجهها المنتفخ وألمها المبرح، هكذا دون أي ردة فعل تذكر!! تساؤلات حقيقة تستثير الإنسان بداخلي لدرجة البكاء والأسى. خلاصة القول أن مأساة تلك العاملة تكمن في انتهاء عقدها ورفض كفيلتها ترحيلها أو منحها حقوقها المادية عن ما يزيد عن عام ونصف!!
ولم أجد لها حلا سوى منحها رقم سفارتها وتحريضها على الاتصال وطلب العون، فربما تحركت سفارة بلدها عند وزارة العمل لتعجل من إجراءات إطلاق سراحها من هذا السجن الإجباري!
تلك ليست المأساة الوحيدة التي وقفت عليها، بل هناك عدد من القضايا، وقفت أمامها حائرة عاجزة أحدها لعاملة سورية انتهكت حقوقها حتى أصابها ورم في صدرها تقبع تحت رحمة كفيلها شاكية حالها إلى ربها ودموعها تسابقها!
وبالطبع وقف المجتمع السعودي على عدد من تلك الحالات والتي تعرضت لمثل تلك الانتهاكات، بل وأبشع منها، والتي نشرت آنذاك في الصحف المحلية، وكيف كان رد فعل الوزارة أمام تلك الحالات التي كان ضحاياها من إندونيسيا؟ فورا بدأت في استقطاب العمالة من دولة كنيبال لأن حكومة إندونيسيا طالبت بسن قوانين لحماية رعاياها وزيادة رواتبهم، فماذا فعلت الوزارة؟ هل قامت بالنظر في تلك الانتهاكات؟ لا بل توجهت لاستيراد سلع بشرية أخرى من دول تتسم بـ الإضطرابات السياسية والفقر المدقع، حيث إن دولة كنيبال يعاني نصف سكانها -والذين وصلت أعمارهم سن العمل القانوني- من البطالة!
لذا فالعملية بالنسبة لي وكما أراها ما هي إلا استيراد بشري فاضح واستغلال لضعفهم وفقرهم وحاجتهم، فنحن الآن أمام سمسرة حقيقة للبشر تتزعمها وزارة العمل ومكاتب الاستقدام و الكفلاء وحكومات تلك الدول.
وقد تضمن تقرير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية الأول بعض تلك المشكلات بشكل سريع دون تحديد أو توصيف.
نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة نظامنا الخاص بقانون العمل وتضمينه تفصيلات عديدة ووضع نظام محاسبة رقابي لا يستثني أحدا من العقاب، كما حدث في قصة العاملة السورية؛ حيث إنها حتى لحظة كتابة هذا المقال حبيسة السكن الخاص بالمركز التجميلي مع عدم حصولها على حقوقها المالية بسبب سطوة كفيلها ونفوذه؛ رغم لجوئها إلى عدة جهات حكومية!
نحن أيضا بحاجة ماسة لإشاعة ثقافة حقوق الإنسان وحشوها حشوا مقنعا في رؤوس المواطنين-ذكورا وإناثا- وذلك من خلال تطبيق النظام ومحاسبة مخالفيه كي لا يبقى هؤلاء في عنق احدهم يتصرف به كيفما شاء.
ولنا في دول الكفار - كما يحلو لبعضنا تسميتهم- أسوة حسنة؛ حيث قررت إدارة سلسلة متاجر سينزبري المشهورة في بريطانيا إعفاء عمالها المسلمين من مهمة التعامل مع المشروبات الكحولية نتيجة لالتزامهم العقائدي؛ رغم تبعات القرار الكثيرة التي لا مجال لذكرها.
أخيرا وكما يقول المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا في كتابه الرائع "الطريق الطويل نحو الحرية": "إن الإنسان الذي يستلب حرية الآخر هو سجين الكراهية". |
