علي السيد
قالها الإمام الشافعي وأكمل: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكد بعضنا بعضاً عيانا.
وهكذا أوجزت قبل أن أبدأ، ووجدت العبارة الأكمل والشعر الأبلغ عن حالنا والأفصح عما تصنعه أيدينا، فمن أعمالنا تسلط علينا الفاسدون، ومن وهننا نسج المتجبرون أسلاكاً شائكة نهاب الاقتراب منها، ومن عظامنا شيدوا القصور، واحتموا بالمنصات العالية، ليس خوفاً منا، وإنما بعداً عن ملامحنا التي لم تعد ترضيهم من كثرة الابتسامات الباهتة.
نحن أكثر دكتاتورية من الحكام، وأكثر ظلماً من ظالمينا، وأكثر فساداً من الذين باعوا جلودنا، وأكثر خوفاً من الخائفين الجاثمين علي قلوبنا.
نحن الذين نصنع الأعمال الرديئة، ونقبل البطش والهوان ونستلطف الذل ونعز الكرامة المهدرة، ونعشق دور الضحية.. نمجد الجلادين ونخون الشجعان منا.. نصفق لمن يلقي بالشدائد في وجوهنا ونقتل من يحمل مصباحاً صغيراً.. نحن الذين صفقنا للزيف وامتدحنا الكذب ووبخنا الصدق.. نحن من بايعنا الظلم بالصمت، والقهر بالرضوخ ـ رضوخاً للقضاء والقدر ـ نحن الذين اخترنا أن نساق، ونحن ظمأي، بعصا يهش بها علينا الراعي الذي نتخيله مخيفاً، فلا نذهب للنهر لنروي عطشنا.
لم نختر حكامنا، في أي وقت، ولم نقر قانوناً ينشر العدل بيننا. لم نغضب من الذين تولوا أمرنا ولم يستشيرونا في شيء، رغم أننا نلقي بأجسادنا تحت أقدامهم عند الشدائد، لكنهم لم يلتفتوا إلينا في السراء.. استمعنا لخطبهم وصدقنا كذبهم وحفظنا شعاراتهم، رغم أنهم لم ينجدوا ملهوفاً ولم ينصفوا مظلوماً.
ألسنا من يذهب لصناديق الانتخابات للإدلاء بأصواتنا، في همة وفرح، بينما وقر في يقيننا جميعاً أن لا حاجة لأصواتنا، فإرادة السلطة الحاكمة والحزب المهيمن فوق إرادتنا، وصوت التزوير فوق أصواتنا، ومع ذلك ننتظر النتيجة المعروفة لنمشي في ركب الفائزين.. نشارك في الزفة ونرقص للمنتصرين، ولا ننال في النهاية غير »جري المتاعيس« كأننا صدقنا أن الرياح في بلادنا يمكن أن تهب بما تشتهي السفن، ولم نصدق حتي حين غرقت مراكبنا، فالطغيان لا يموت إلا بالعصيان ورفض الخضوع.
والباطشون لا يكونون هكذا إلا حين تخلع الأجساد ملابسها استعداداً للجلد، إذ لا سلطان لظالم إلا بما يمنحه له شعبه، والتزوير لا ينتهي إلا إذا ابتعد الناس تماماً عن صناديق السحرة، وساعتها سينقلب السحر علي الساحر.
ألسنا نحن الذين صدقنا شعاراتهم الخاوية وشعاراتهم الجوفاء حتي ظنوا، أو وثقوا، أننا شعب طيع لا يحتاج لأي جهد لكي ينقاد إلي إرادة الاستبداد، ويصدق الشعارات الكاذبة التي يطلقها الحزب الطاغية الذي عمد إلي تغييب المؤسسات، مقابل تشعبه وسيطرته علي كافة مناحي الحياة بعدما أيقن قادته أنهم وحدهم أبطال المسرحية، بينما الشعب كله يلعب دور المتفرج، ولم ينعم حتي بفرصة أن يكون »كومبارس« في مسرحية سقيمة، وكأن دور الشعب يكمن فقط في التهليل والتصفيق لكل ما يقوله رجال الحزب الحاكم، وقبول كل ما يصدر عنهم من رؤي وأفكار وقرارات، حتي أدخلتنا هذه القرارات إلي كهوف التخلف وقادتنا إلي الهلاك والدمار.
ألسنا نحن الذين نهاب الأجهزة البوليسية وننصرها في ظلمها، ونفر من وجهها دون أن نقول لها كلمة حق، ولو مرة واحدة، لنصرة مظلوم أو منعها من خطاياها؟ نفر من أمامها أفراداً ولا نجابه ظلمها جماعات، وإذا كنا نخاف من تلك الأجهزة القمعية، فلماذا نخاف من موظف صغير لا يعطينا حقنا إلا بعد أن يقبض، وكأن هناك اتفاقاً غير معلن بين الشعب وموظفي الدولة يدفع بمقتضاه القادرون ثمن إنهاء مصالحهم رشوة مقابل تعطيل مصالح غير القادرين، ورفض طلباتهم، بل يستسلمون، طواعية أو جبراً، لفساد الفاسدين، بل بعيونهم علي فسادهم وظلمهم، ويمتدحون عندما تكبر كروشهم، ويصبحون من الأثراء وعلية القوم وينضمون لطائفة المستبدين. ألسنا نحن من يتعارك يومياً في الشارع مع بشر مطحونين مثلنا، وكأننا لا نطيق بعضنا أو كأننا »نفش« غليلنا في أنفسنا، فنحن لا نتواد ولا نتراحم، إنما نتزاحم ونتدافع ونتقاتل، في مواقف السيارات، وفي طوابير البطالة والخبز، شجار في المواصلات، وفي البيت، مع السائق والبقال والجار، شجار لأسباب تافهة أو دون أسباب، تفريغ كامل لطاقتنا، وإنهاء كبتنا فيما بيننا.
وأبداً لا نرفع السبابة في وجه الحكومة لنعترض علي القرارات الخاطئة، والسياسات العشوائية.
لقد شغلتنا توافه الأمور عن عظيمها، واستبدلنا بما هو أنفع للناس ما يضرهم، تركنا الأفكار الراقية والفكر الناضج واشتبكنا مع قضايا أهم ما فيها ثرثرة فارغة، إذ تركنا اللصوص ينهبون القطاع العام ويسرقون أموال البنوك، ويستحلون المال العام.. تركنا السلطة تفرض قيودها، وتسن من القوانين ما يحميها ويخنقنا، وتسجن من تريد، وترفع من تشاء بغير سبب.. تبيع الشركات الرابحة برخص التراب، وتتصدق بالشركات الخاسرة، تركنا الفساد ينتشر والمحسوبية تسيطر، وتفرغنا للصراع علي شاب تافه انتقل من الإسلام إلي المسيحية أو فتاة مراهقة تركت المسيحية ودخلت الإسلام، انشغلنا بشائعة عن توسعة كنيسة وغرقنا في بحر من الجدل والسفسطة عن إرضاع الكبير، وبول الرسول، وفتوي جلد الصحفيين باعتبارهم »زناة الحقيقة«.. أخذنا الحديث عن حجاب عبير صبري وطلاق أنغام ومجنون حنان ترك، بعيداً جداً عن مواجعنا وعللنا الحقيقية. فالتعديلات الدستورية الأخيرة لم تحظ بعُشر الجدل الذي حظيت به قضية »رأي فاروق حسني« في الحجاب. بل من المخجل والمؤسف أن نقرأ دراسة تقول إن المصريين ينفقون عشرة مليارات جنيه علي الدجل والشعوذة، مما يدل علي التغييب الكامل للعقل والمنطق والعلم، بل وصحيح الدين. ومن العار أن نتحرش بنسائنا وبناتنا في الشارع والعمل، ونتطاول عليهن بألفاظ نابية، ولا نقدر علي التحرش حتي بالقول تجاه قامعينا.. ومن العار أيضاً أن تنشر الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية العالمية أن المرأة المصرية لم تعد تشعر بالأمان أثناء سيرها في الشارع إلي حد أن بعضهن يفكرون في مغادرة مصر لهذا السبب، حسب تقرير جريدة »ميل آند جارديان« البريطانية، والتي نقلت ما هو أكثر من العار، عن تقرير للمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، يشير إلي وقوع جريمتي اغتصاب للنساء كل ساعة في مصر، هل يمكن أن نتخيل هذا الرقم الذي يدعو للإحباط واليأس والتأكد من أن البلاء من أنفسنا! فنحن نصنع الدكتاتوريات ونرضخ للابتزاز، ونقبل التزوير ونشجع الفاسدين والمرتشين. ونباهي فقط بالعرق والطائفة.
آخر سطر: الطريقة التي مات بها الدكتور أحمد شفيق، العالم الكبير والطبيب المشهور تجعل الغالبية العظمي تحمد الله لأنها تموت علي أبواب المستشفيات لا داخلها.
*نقلاً عن صحيفة "الوفد" المصرية |
