طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 10 ذو القعدة 1428هـ - 20 نوفمبر 2007م
دبي ولبنان.. مجرد مقارنة
 

محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

في الستينات وحتى منتصف السبعينات كان لبنان سوق الشرق الأوسط الأول؛

حيث يندر أن تجد شركة غربية كبرى ليس لها مكتباً في بيروت أو وكيلاً إقليمياً. كان أغلب التجار في المنطقة يتجهون إلى بيروت، وإلى الوكلاء اللبنانيين عندما يرغبون في الاستيراد. في تلك الأثناء كانت بيروت تعج بالنشاط والحركة والصحة، وتمر من خلالها أغلب الأموال في طريقها إلى الغرب.

كما كانت لبنان -أيضاً- واحة من واحات السياحة والاصطياف؛ إلى جيلها كان أبناء المنطقة يهربون من سياط شمسهم المحرقة، وعلى شطآنها كان المصطافون يغتسلون من غبار صحاريهم. يكفيك أن تعرف أن أسعار المنازل أيام العز في لبنان كانت نفس أسعار المنازل في جنوب فرنسا. عرفت لبنان آنذاك كيف تستغل (تخلف) المنطقة بأن هيأت لهم نفسها كمهرب يُمارسون فيه حرياتهم، أو على الأصح: ما لا يجدونه في أوطانهم من حريات.

فجّر اللبنانيون وطنهم، وأعادوه إلى الوراء عقوداً، ولم يعد لبنان يؤدي الدور الذي كان يؤديه في السابق، ولا أعتقد أنه قادر على اللحاق بدول المنطقة، حتى لو افترضنا - جدلاً- أنه حل مشاكله المستعصية، فالبون شاسع في تقديري. تحولت لبنان إلى حارة (أبضايات)، وتناثر شعبها إلى طوائف، كل طائفة تدافع عن نفسها وعن مصالحها وعن (عمالتها) للخارج، أما اللبنانيون الوطنيون فضاعوا بين هذه (الدكاكين) السياسية الطائفية المتناحرة.

دبي أثناء ازدهار بيروت كانت مجرد صحراء جدباء وساحل ترتمي أمواج الخليج المتعبة عليه. كانت- تقريباً- آنذاك خارج الزمان والمكان؛ لا تعدو أن تكون مشيخة من المشيخات التي تنتثر على ساحل الخليج لا أكثر. ابتدأت دبي رحلتها للهروب من التخلف بأن اعتمدت استيراد ثقافة التنمية والتحضر والتمدن من الغرب، وتحديداً من بريطانيا. لم يغزها العرب (القومويون)، ولم يتسرب إلى أرضها الحركيون (المتأسلمون)؛ كان سكان دبي في بدايات نهضتها لا يزعمون أنهم سيَفدون قائدهم الملهم (بالروح والدم) مثلما كان عرب الشمال يقولون لزعمائهم. كان الاقتصاد وليس الأيديولوجيا راحلتهم نحو الشمس والتألق.

لبنان الستينات وجزء من السبعينات كانت راحلته -أيضاً- الاقتصاد والحرية. وعندما استبدل الاقتصاد بالأيديولوجيا، وبالذات الأيديولوجيا الطائفية، والثقافة (القوموية) الفارغة إلا من الشعارات، خرج خارج العصر، واشتعل وما يزال مشتعلاً على مستوى الجذور والبنية الثقافية المحلية. قتل (المؤدلجون) لبنان من الوريد إلى الوريد، وبنى (الاقتصاديون) دبي من المدرسة وحتى ناطحات السحاب التي تطرز سماء دبي وأفقها المستقبلي.

الفرق بين حسن نصر الله (اللبناني) الذي يستورد الأيديولوجيا من إيران ليدمر بها لبنان، وبين محمد بن راشد (الإماراتي) الذي يستورد الفكر الاقتصادي من (الغرب) ليبني به دبي، كالفرق بين معول الهدم وساعد البناء، وهو ذات الفرق -بالمناسبة- بين المؤدلج والاقتصادي. إلى اللقاء.

*نقلاً عن صحيفة "الجزيرة" السعودية

عودة للأعلى