د.
عبد المنعم سعيد
لكل حدث دولي كبير إطار استراتيجي واسع يجرى فيه، ولا يعد اجتماع «انابوليس» استثناء من هذه القاعدة، فيخطئ من يظن أن المجتمعين جاءوا فقط لتسهيل التفاوض حول قضايا الوضع النهائي الفلسطينية ـ الإسرائيلية، أو للبحث في سبل إقامة دولة فلسطينية حقيقية تصلح لتطبيق حل الدولتين؛ وإنما ـ بالإضافة إلى ذلك ـ جاءوا من أجل «أجندة» استراتيجية أكثر اتساعا. وبدون الدخول في كثير من التفاصيل، فإن الاجتماع يحده إطاران آخران: أولهما يخص الولايات المتحدة الأمريكية ومعركتها الكبرى ـ والمصيرية بالنسبة لها ـ في الشرق الأوسط والمتعددة الأبعاد؛ وثانيها تخص الحركة الوطنية الفلسطينية بعد ستة عقود من الهزيمة والشتات. وربما بعد التحليل لن يكون مستغربا أن تبدو المعركتان متصلتين، بل انهما معركة واحدة في نهاية الأمر حول شكل الشرق الأوسط ومستقبله دولا ومجتمعات.
وربما كان المحلل السياسي الإسرائيلي، يوسي ألفر، هو من لمس النقطة الأولى في مقال له نشر مؤخرا في موقع «فوروارد» الأمريكي حينما قال إن الإطار الاستراتيجي الذي يجري فيه اجتماع «أنابوليس» هي الحرب الأمريكية العامة على الإرهاب والأصولية الإسلامية، وعند اختصارها إلى دول فإنها تصير إيران وسوريا والنصر في العراق وأفغانستان. ومن وجهة نظره فإن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، أخطأتا عندما ذهبتا إلى المسار الفلسطيني لتحقيق الأهداف الاستراتيجية العظمى لأنه أقل المسارات عرضة للنجاح حيث الفلسطينيون مقسمون، وعباس لا يمتلك حولا ولا قوة، والنصر مؤكد لحركة حماس سواء في الانتخابات أو عند حمل السلاح. ولذلك فإن البديل ـ والكلام لا يزال للمحلل الإسرائيلي ـ هو سوريا التي تملك أوراقا في لبنان والعراق وفلسطين، وهى تواقة في نفس الوقت لاستعادة الجولان التي سوف تكون ثمنا بسيطا يدفع من أجل فصل دمشق عن طهران، وضرب حزب الله وحماس في واقعة واحدة.
والحقيقة أنه يبدو أن ذلك كان هو التفكير الإسرائيلي الأولى بالنسبة للخطوة القادمة في التعامل مع الصراع العربى ـ الإسرائيلي من النافذة السورية وليس الفلسطينية لأنها الأسهل والأقل تعقيدا، وفوق ذلك كله توجد قيادة سياسية قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بحزم وقسوة. ولكن الولايات المتحدة ـ أو إدارة الرئيس بوش على وجه التحديد ـ كان لها رأى آخر، وهى أنها ليست على استعداد للدخول في لعبة جديدة لتوازن القوى في المنطقة تجذب فيها سوريا من داخل الحلف الراديكالي لأن دمشق يوجد بها نظام راديكالي ينتمي لأيام الحرب الباردة حتى ولو كانت له سلوكيات معتدلة أحيانا. ولذلك فإنها منعت إسرائيل من فتح باب المفاوضات مع سوريا وطالبتها بالتركيز على النافذة الفلسطينية في خطوة استراتيجية كبيرة خالفت كل ما اعتقدته وعملت على أساسه إدارة بوش طوال السنوات الست الأولى من وجودها في البيت الأبيض. الخيار الأمريكي هنا كان في الحقيقة هو دعم قوى الاعتدال في مواجهة القوى الراديكالية، وكان جزءا من ذلك استراتيجية التصعيد المحسوب داخل العراق، والذي أعطى «التمكين» للقبائل السنية، وخلق الجسور بين جماعات المجتمع المدني السنية والشيعية؛ كما كانت جزءا من تغليب الاستراتيجية على التاريخ في ما يتعلق بالمسألة الديمقراطية في المنطقة. فقد أدركت إدارة بوش أن التحول الديمقراطي ما هو إلا عملية تاريخية كبرى ترتبط بالفكر والمؤسسات ونمو الطبقة الوسطى، كما أدركت أن ثمن إشهارها من قبل المحافظين الجدد كان فادحا من حيث خسارة تأييد الدول العربية المعتدلة؛ بينما كان الهدف الاستراتيجي هو النصر في معارك محددة متعلقة بمسارح محددة في العراق وأفغانستان. هنا فإن إدخال سوريا في مفاوضات ثنائية مع إسرائيل هو أجحاف بقوى الاعتدال في وقت تجري فيه المناطحة على جبهة لبنان، والجبهة الفلسطينية، والجبهة العراقية أيضا. وبالمقابل فإن بدء اجتماعات «أنابوليس» هو «تمكين» للدول العربية المعتدلة لكى تحسم معركتها الإقليمية لصالحها.
الإطار الاستراتيجي الفلسطيني ليس بعيدا عن هذا الإطار العام حتى ولو كان واقعا على مستوى قطر واحد. فالحقيقة أن الخلاف بين فتح وحماس الآن لا يختلف كثيرا عن الخلاف الذي يجري في مصر بين الحزب الوطني الديمقراطي وجماعة الإخوان المسلمين، وجبهة التحرير الجزائرية والحركات والجماعات الإسلامية المختلفة في الجزائر، والأمثلة بعد ذلك كثيرة ومتعددة بتعدد الأقطار العربية. ولكن ما يهمنا هنا هو أن اجتماع «أنابوليس» هو ترجمة لذلك الخط الفاصل بين رؤية للدولة ككيان اجتماعي لتحقيق سلام ورفاهية مواطنيه، والنظرة إلى الدولة باعتبارها حقيقة نضالية أو جهادية ذات رسالة من نوع أو آخر لمواطنيها أحيانا وللعالم في كل الأحيان. هنا فإن الخلاف ليس فقط على مهمة الكيان الاجتماعي، وإنما النظرة إلى الزمن، والمكان، وحقوق الإنسان. وفي الحالة الفلسطينية فإنه يصعب تحديد سبب واحد لهذا الخلاف الذي يبدو أنه يعكس في بعض من جوانبه طبيعة الخلاف بين غزة حيث تسود وتحكم حماس، والصفة الغربية حيث تسود وتحكم حركة فتح. الأولى استوعبت أكبر نسبة من اللاجئين الفلسطينيين رغم مساحتها الصغيرة، فثلاثة أرباع سكان غزة (1.4مليون) من اللاجئين، والثانية عرف حتى لاجئوها رحابة الدولة عندما جرى ضمها إلى الأردن ومنح مواطنيها الجنسية عام 1950. ولكن الاختلاف الأكبر ظل دوما في الرؤى، وعلى جانبي تل المسؤولية سوف تعمل فتح على نجاح مؤتمر «أنابوليس» بينما لن يغمض لحماس جفن حتى يفشل. فالمعركة ليست حول فلسطين بقدر ما هي حول روحها ومستقبلها، ولا يبدو أن أحدا سوف يوفر جهدا. فالرئيس عباس ورفاقه قرروا السير إلى آخر الشوط حتى ولو كانت فيه تنازلات مؤلمة، وكان فيه السلام شقيا، لأن دوام الحال البائس ليس فقط من المحال، ولكن استمراره سوف يضمن وجود وضع فلسطينى تسيطر عليه منظمات دينية ليس هو الوضع الذي حارب من أجله الوطنيون وليس الحالة التي سقط من أجلها الشهداء. هل تختلف المعركة الأمريكية عن المعركة الفلسطينية، بل حتى عن المعركة العربية التي لا يريد أحد الإعلان عنها بأن الخطوط الفاصلة قد تكون في المفاوضات حول القدس واللاجئين والحدود، ولكن المعركة خارج المفاوضات لن تقل ضراوة حيث الخطوط الفاصلة بين الراديكالية والاعتدال، والدولة المدنية والدولة الدينية، والعمل من أجل الحياة والعمل من أجل الموت، وأن تكون الدولة في العالم المعاصر أو تكون في عالم الماضي؟ والإجابة أن المعارك قد تكون جد مختلفة، ولكن المسرح الاستراتيجي بالتأكيد واحد!.
*نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية |
