صالح الطريقي
وها هي تخرج قضية "قتل الحضيف" المتهم به أحد رجال الهيئة، بعد قضية "فتاة القطيف" ليتناولها الرأي العام من جديد، وينقسم من جديد، وبالتأكيد ستكال التهم، وأن هناك من ينفذ أجندة خارجية، وأن هناك ظلاميين، لأن مجتمعنا محافظ ومنغلق، ولم يتعود مناقشات القضايا علانية ولا هو قادر على الفصل بين ما هو عام وما هو خاص أو يملك الخصوصية.
لا أود الدخول في هذه القضية الجديدة مع أنها مغرية لبعض الكتاب، بقدر ما أود مناقشة حوار دار بين ثلاثة مفكرين في برنامج "مع الحدث" حول القضاء، وكان المفكرون الثلاثة يمثلون اتجاهات فكرية مختلفة وإن كان الثلاثة ينطلقون من "دائرة الإسلام"، فالدكتور خالد الدخيل ممن يطلق عليهم الإصلاحيون، والشيخ سليمان الدويش من السلفيين، والشيخ عبدالعزيز القاسم من المجددين للسلفية.
دخل الثلاثة في جدل حول "القاضي أو بعض القضاة" وهل هم يمثلون الدولة أم يمثلون أنفسهم وأنه لا يمكن لنا منحهم القدسية بحجة أن الأمر سيضر الدولة وليس القضاة.
ولأن الأمر ملتبس علينا لأسباب تاريخية، تم الخلط بين الدولة وبين الحكومة، لدرجة أن الشيخ الدويش في نهاية المطاف وليقمع فكرة الدكتور الدخيل "بأن القاضي لا يمثل الدولة" قال : "إن القاضي هو نائب للوالي"، بمعنى أن أي نقد يوجه للقاضي، هو نقد مبطن للوالي.
لا ألوم الشيخ الدويش بأن يتبنى فكرة "أن القاضي نائب عن الوالي" أي أن القاضي تابع للوالي وفي حضرة الوالي لا يحكم القاضي، ولكن لمشاغل الوالي وضع من ينوب عنه ليفصل بين الناس.
فتاريخ الدولة الإسلامية يمتد إلى ما يقارب 15 قرنا، وكان في صدر الدولة الإسلامية بداية تغيير على ماذا تقوم الدولة، وأن فكرة الأمبراطور صاحب السلطة المطلقة، أمر لا يحقق استقرارا أو استمرارا للدولة.
ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" بدأت نواة الانتخابات للخليفة الثالث، وربما لو أن ثورة الاتصالات التي نعيشها الآن، كانت في ذاك العصر لوسع الخليفة عمر دائرة الستة الذين انتخبوا الخليفة الثالث أو هكذا يخيل لي.
في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" جاءت نواة جديدة والتي يمكن تسميتها "فك السلطات"، فحين اختصم الخليفة مع يهودي على درع، لم يفصل في الأمر، بل ذهب إلى القاضي "شريح"، وحكم لليهودي المواطن ضد الخليفة، أو ما يكمن تسميتها مجازا رئيس السلطة التنفيذية.
هاتان النواتان الجديدتان على البشرية في ذاك الوقت، كانتا شاذتين، فكل الدول في ذاك العصر تحتكم للسلطة المطلقة، وأنه لا يمكن الفصل بين الدولة والأمبراطور، حتى القبائل كانت متسقة مع مفهوم الدولة وإن لم يكن للقبائل دولة، إلا أنه من الصعب الفصل بين القبيلة وشيخها.
ولأن النواتين شاذتان على ما هو سائد، كان من السهل أن تطمر الدولة الأموية هاتين النواتين، وتعيد الأمور لما هو متسق مع تفكير البشرية، أو ما تعودوا عليه.
ومضى العقل البشري منسجما مع مفهوم أن الدولة تعني الأمبراطور ، إلى أن تلقف مفكرو أوروبا هاتين النواتين، أو هم توصلوا إلى أن مفهوم قيام الدولة بتلك الطريقة القديمة لا يمكن لها الصمود طويلا، فقد يأتي امبراطور ظالم أو عابث فيدمر الدولة، وتصبح قابلة للنهب "كما حدث للعراق حين جاءها صدام" وكما حدث لكل الدول القديمة التي دمرت بغض النظر ما هي عقيدة الدولة.
فتم الفصل وأصبح مفهوم الدولة لا يعني الأمبراطور، فهو رئيس الحكومة أو ما يسمى "سلطة تنفيذية"، والدولة أكبر من كل السلطات، فهي المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية والمدنية والشعب، والدولة التي تتبنى هذا التقسيم ستستمر طويلا! لأنها لا تعتمد على إنسان وإن كان عادلا فهو بشري وسيموت.
فيما العرب مازالوا يخلطون الأمور، والسبب أن حقبة الخلفاء الراشدين لم تدم إلا 40 عاما، والتاريخ الإسلامي 15 قرنا، ومن المتوقع أن يدفن هذا التاريخ الطويل هذه الحقبة وتلك النواتين.
علي أن أنبه أنه ليس من العدل أن نبدأ من بداية النواتين، لأننا هنا وكأننا نخترع العجلة من جديد، كذلك الإسلام يتسق مع كل ما هو ينزع لتحقيق عدالة أعلى، والعدالة البشرية تتطور مع تطور عقل الإنسان، لكن وللأسف مازال الكثير من العرب يعيش في القرون الوسطى، لهذا هو لا يحاول تطوير مفهوم الدولة القديم، ويبحث عن صلاح الدين والمعتصم. |
