آمال موسى
كلّ الدلائل تشير إلى أن حاجة فرنسا إلى الجزائر اليوم، ملحة أكثر من أيّ وقت مضى. وهي حاجة متعددة الأصعدة وتتوزع ما بين الاقتصادي والجيوسياسي. ولكن رغم هذه الحاجة الفرنسية وتناميها، إلا أنّ فرنسا تتبنّى موقفا متعنّتا من مسألة الاعتذار الرسمي للشعب الجزائري بخصوص الجرائم المروّعة التي ارتكبت طيلة قرن وثلاثين عاما من الاستعمار الاستيطاني.
ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا التعنّت، هو ما ضر لو أن فرنسا اعتذرت عن جرائم اقترفتها في الماضي؟ خصوصا أن الاعتذار المطلوب لن يكلّفها خسارة، ويمكن للنخب السياسية والثقافية الحالية في فرنسا أن تتبرأ من كل مخلّفات الاستعمار بذكاء، فتعبّر بذلك عن قدرة ثقافة الجمهورية وقيمها على التدارك؟ ويزداد فهمنا للتعنّت الفرنسي صعوبة، عندما نقارنه بالموقف من قضية الأرمن، واعتبارها من عوائق دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي.
والمتابع لزيارة ساركوزي خلال هذا الأسبوع إلى الجزائر، يلاحظ من خلال التصريحات أن قصر الإليزيه يحاول الالتفاف على مطلب الاعتذار الرسمي والتحايل عليه من خلال الاستنجاد بتعبيرات لغوية وبمفاهيم جديدة، تؤدي إلى كل شيء باستثناء المطلب الجزائري بخصوص الاعتذار الرسمي.
وحتى مشروع معاهدة الصداقة بين فرنسا والجزائر الذي تعثّر منذ سنتين بسبب التعنّت الفرنسي من مسألة الاعتذار، تمّ التلاعب في تسميته. وأصبح الموقف الفرنسي يطمح إلى توقيع معاهدة صداقة مبسّطة للعقد القادم. وكأن مشروع الصداقة الذي أجهض وتعثّر يختلف عن المعاهدة الجديدة.
كما أن تجنب ساركوزي أثناء زيارته هذا الاعتذار المباشر والرسمي، والتعبير عن إدانته للنظام الاستعماري الذي وصفه بالإجحاف وبمخالفته لقيم الحرية والعدالة والأخوة، كل هذا يعبر عن موقف شخصي محايد، يمكن لأي جهة حتى ولو كانت غير معنية أن تعبر عنه.
لذلك من الواضح أنه حتى النخبة السياسة الجديدة الحاكمة في فرنسا، تنوي الالتفاف على مطلب الاعتذار من دون أن تتنازل عن حاجتها للجزائر كثروات طبيعية وكسوق، محاولة أن تشتّت اهتمام الجزائريين من خلال خطوة استثنائية وأولى من نوعها عربيا، تتمثل في توقيع اتفاق يخوّل للجزائر استخدام الطاقة النووية وتطويرها لأهداف سلمية.
ولم يتأخر ساركوزي خلال هذه الأشهر القليلة التي اعتلى فيها الحكم في فرنسا في تبنّي خطاب يستند إلى السفسطة، يروّج فيه لعدم حاجة الصداقة الجزائرية الفرنسية إلى معاهدة لتأكيدها.
من دون أن ننسى أن هذه المقولات وغيرها تندرج ضمن موقف فرنسي عام وقديم من مسألة الاعتذار ورفضها رفضا باتا، إلى درجة أن جهودا أخرى كانت تحاول أن تلتف على مطلب الاعتذار بشكل قانوني، ونقصد بذلك محاولة جاك شيراك قبل سنتين وضع بند قانوني يدعو إلى أهمية تدريس إيجابيات الحقبة الاستعمارية الفرنسية في بلدان المغرب العربي، إلا أنّ هذه المحاولة تمّ التصدي لها جزائريا بالرفض.
من هنا نفهم أنّ فرنسا تريد أن تأخذ من الجزائر من دون أن تعطيها حقها المعنوي في الاعتذار الرسمي. ونعتقد أنه بحكم بعض المتغيرات وعلى رأسها الوزن الاقتصادي للجزائر اليوم، أصبحت إمكانيات الضغط أكبر في مسألة الاعتذار الرسمي كأولوية جزائرية، خصوصا أن التقارب الأمريكي الجزائري يمكن أن يزيد من الضغط على هذه المسألة، من دون أن ننسى قلق فرنسا من هذا التقارب وسعيها إلى مجابهته باتفاقيات اقتصادية ووسائل جذب سياسية وتاريخية وجغرافية.
طبعا التمسّك بشرط الاعتذار الرسمي يجب ألا ينسينا مصالح الجزائر مع فرنسا، لا سيّما وأنّ الجالية الجزائرية أكبر جالية عربية في فرنسا.
كما يمكن للبراغماتية التي تقود المواقف العربية عموما، أن تفعل فعلها بشكل حقيقي، وأن تجعل فرنسا تقطع مع عمليات الالتفاف التي تقوم بها حاليا.
ولكن كل هذا مشروط بقدرة الجزائر على التقاط هذه الحاجة الفرنسية لثرواتها ولسوقها لتذويب التعنّت القائم.
* نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية |
