طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 02 ذو الحجة 1428هـ - 11 ديسمبر 2007م

لبنان يحتاج لطاغية

 

صالح الطريقي

حاولت ومنذ أن بدأت قضية انتخاب الرئيس الجديد للبنان ـ هذه القضية التي تحولت إلى أزمة لبنانية ، ثم دولية كما يقول بعض المراقبين ـ أن أصدق أننا أمام قضية حقيقية وليست وهمية ، لكني في كل مرة أحاول إقناع نفسي بأزمة الفراغ الدستوري الذي سيخلفه كرسي الرئيس الفارغ ، أجد الأمر لا يستقيم منطقيا.

ففي لبنان وقبل الفراغ ، يمكن لأي شخص القيام بعملية عسكرية خارج حدود لبنان دون أن يأخذ موافقة الرئيس أو الحكومة أو البرلمان ، يمكن أيضا إتهام الرئيس بأنه غير شرعي وأن الحكومة غير شرعية ، وأن الوزراء سارقون ، ولا يمكن لك محاكمة أحد إن صدق أو كان كاذبا ، فما الذي يمكن حدوثه سوى حرب أهلية لن يوقفها كرسي برئيس أو بدون رئيس ؟

أحيانا أحاول تصديق ما يقوله زعماء أحزاب لبنان ، أو ما يقوله سفير أمريكا : "عدم انتخاب رئيس للبنان يضر بمصلحة الشعب اللبناني ، وبسيادة وحرية البلاد" ، لكن الأمر لا يستقيم مع الواقع .

فقبل رحيل الرئيس لحود لم تكن أوضاع الشعب جيدة ، فهو يرى الحكومة غير شرعية ، والحكومة تشكك في شرعيته ، والمعارضة تشكك فيهما سويا ، وبعض الأحزاب يشكك في شرعية المعارضة ، وغالبية المنتمين للأحزاب أو للطوائف والمذاهب المرددين لشعار "بالروح بالدم نفديك يا زعيم الطائفة" يشككون بشرعية بعضهم البعض .

بمعنى أن المشهد قبل الفراغ الدستوري المزعوم كان عبارة عن رئيس وحكومة ومعارضة وشعب غير شرعيين ، ولا أظن غياب واحد من الأضلاع المتهمين بغير الشرعية ، سيهدد الشرعية المزعومة .

بل بقاء الكرسي فارغا أوقع وأكثر منطقية من وجود رئيس في قصر بعبده ، يزيف للمواطن واقعه المعاش ، فلبنان ليس مستقلا ، وإن كتب في مقدمة دستوره "لبنان وطن سيد حر" .

قد يبدو الأمر محبطا للأخوة اللبنانيين الذين أحبهم ، ولكن المسألة مسألة منهج ، فرئيس لبنان لا يأتي من خلال صناديق الاقتراع ، بل هو يأتي من خلال تسوية دولية متنكرة بمسمى أحزاب لبنانية .

هذا الواقع الذي وقع على الشعب اللبناني سببه أن غالبية الشعب اللبناني ينتمي للطائفة أكثر من انتمائه للبنان ، لأسباب طائفية أو عرقية أو مذاهبية أو اقتصادية ، أو كل هذه الأمور مجتمعة .

المأزق أن هذا الوضع يجعل الكفاءات في لبنان تهاجر ، وسترحب بها كل الدول في العالم ، ولن يبقى في لبنان إلا زعماء رهنوا أنفسهم لتقسيم وتجزئة لبنان ، ومواطنون ميزتهم الوحيدة ترديد "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" فيصرف لهم الزعيم رواتبا شهرية ضئيلة ؛ ليضمن ولاءهم وانتماءهم له أكثر من انتمائهم للبنان .

قد يبدو المشهد اللبناني متفردا بواقعه عن باقي الدول العربية ، وأن لبنان لا يشبه أحد من الدول المحيطة به ، والداخلة معه في الجامعة العربية .

وهذا غير صحيح ، فكل ما في الأمر أن لبنان ومنذ خروج سوريا افتقد للطاغية الكبير ، ولم يعد لديه إلا طغاة صغار ، وسيحدث لغالبية الدول العربية ما حدث للبنان حين يشيخ أو يضعف أو يرحل الطاغية الأقوى .

وسيبدأ صراع الطغاة الصغار فيما بينهم ، وإن لم يستطع أحدهم الانتصار على الآخر سيستعين بالخارج ، ولأن الخارج ليس جمعية خيرية ، ستتحقق مصالح الخارج ، وليس مصالح الأوطان العربية .

هل يعني هذا أن الشعوب العربية لا يمكن لها التعاطي مع الديموقراطية ، لهذا تحتاج لديكتاتور يحكمها ؟

للأسف الشديد الواقع يؤكد هذا ، والسبب أن الإنسان العربي ومنذ ولادته يتم اضطهاده ، فيؤسس على تقديس القوة ، والعدل في مفهوم القوي ، إن الكبير يفعل ما يريد دون أن يحاسب ، أي هو فوق قانون الأسرة ـ المدرسة ـ العمل ـ الوزارة .

خلاصة القول : إن واقع لبنان يؤكد أنه يحتاج لطاغية "العالم العربي كذلك" ، وإلا سيكون البديل الفوضى والحروب الأهلية .

وإلى أن تعيد المجتمعات العربية تأسيس عقول أفرادها ، سيظل الديكتاتور خيارها البديل عن حرب أهلية ، وإن أوهمت نفسها بأن صناديق الانتخابات أدخلتها منظومة الدول الديموقراطية .

فصناديق الانتخابات هي المحصلة النهائية للديموقراطية القائمة على ثقافة حرية الفرد ، وأن أي فرد من حقه حرية التفكير والتعبير والمعتقد والمذهب ، وأن هذه الأمور لا تجعل المجتمع أو فئة منه ينفيه خارج منظومة الوطن ، إن لم يؤيدها في رؤيته أو معتقده أو مذهبه ، والمجتمعات العربية بكل أطيافها لا تسمح بهذا .

عودة للأعلى