يوسف الديني
ثمة تغييرات بالغة تحدث في العراق، أقول هذا اعتماداً على تقارير كتبها مراسلون زاروا بغداد مؤخراً ونقلوا صورة مغايرة تماماً للصورة النمطية التي تنبعث من صندوق التلفاز المتحيز، ضد كل ما يقف ضد إدمانه للإثارة بملامحها المعتادة.. قتل وأشلاء وضحايا ولاعنون للظلام والإرهاب والاستعمار!
شوارع بغداد تتنفس من جديد وتعج بالحركة والحياة المستقرة نسبياً بعد فترات دامية كان الموت يجوب أزقتها بشكل يومي، بل إن محافظة ديالى التي كانت من أكثر المناطق خطورة بسبب استهداف القاعدة لها، باتت الآن أقل غلياناً من ذي قبل وإن كان هذا الهدوء النسبي محفوفا بالكثير من الترقب لقادم الأيام التي ما زالت تحفل بعملية هنا أو هناك لتنغص على المعنيين بالشأن العراقي فرحتهم بتحولات الحالة العراقية.
وبالطبع فمن بدهي القول ان استدامة هذا الاستقرار في العراق ككل والبحث عن صيغة توافقية سياسية تؤمن للحالة الأمنية ضماناتها السياسية كي لا ينفجر الوضع من جديد، تتطلب بداية تلمس الأسباب التي أدت لهذا الاستقرار بعيداً عن القراءة الأمريكية المباشرة والتي ترى في ازدياد القوات الأمريكية وتطور مستواها في محاربة أساليب القاعدة.. الخ الفيلم الأمريكي إياه.
ما حدث في العراق أمر يتجاوز الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وإن كانت قد ساهمت في التأثير عليه، فالتغيير بدأ في داخل البيت العراقي حيث اقتنع العراقيون أخيراً بضرورة فك الارتباط بين القاعدة وبين التيارات السنية والعشائر، الذين كانت لديهم رؤيتهم الخاصة في الوضع الجديد، فهم ليسوا شموليين في رؤيتهم للنزاع كما هو الحال في الموقف القاعدي من الوجود الأمريكي، كما أن وجود صيغة عادلة في توزيع الثروة والسلطة وإيجاد قرارات رادعة لأية تجاوزات طائفية من قبل السلطة، من شأنها أن تقوم بتجسير الهوة بين طرفي النزاع كما هو الحال في كل النماذج التي جربها العالم في التعاطي مع إشكالية النزاع الأهلي ذي الصبغة الطائفية والذي يتطلب عادة صيغة مهادنة عادلة وقوة رادعة لضمان تنفيذها.
اللافت في الأمر أن هذا التغير في المزاج العراقي تجاه القاعدة أو الميليشيات لم يأت كنتيجة جهود مضنية بذلتها الحكومة العراقية أو الإدارة الأمريكية، فهما قد حرصا تحت ضغط الواقع إلى الالتفات إلى مسألة الحدود والدول المجاورة والمقاتلين الأجانب وهي مسألة مهمة والتعاون فيها قد أتى بنتائج مبهرة، لكنه لم يكن كافياً لحل الأزمة برمتها بسبب وجود خيوط طائفية تزيد من تعقيدها وتشابكها، الالتفات إلى أمن المدنيين في أنحاء العراق وتراجع المحاربين من غير القاعدة والانشقاقات داخل الصف الشيعي تجاه بعض العناصر الكارثية في الميليشيات الشيعية.
لكن من جهة أخرى فإن طرح بدائل كقوات حفظ للسلام من غير الأمريكيين هو أمر بالغ الخطورة، كما أن بقاء القوات في ظل المطالبات الخارجية والداخلية بتخفيض عددها، أمر لا يقل خطورة وإنهاكاً للقدرة الأمريكية على البقاء بنفس الانتشار والفاعلية، وعليه فإن بوادر الحل تكمن في توسيع نطاق المصالحة والهدنة العادلة والمرضية لكل الأطراف ومحاولة الضغط على الحكومة لعمل المزيد باتجاه إضعاف الحالة الطائفية والانتهاكات التي تقع هنا أو هناك مع إيجاد مشاريع بديلة ذات طابع اقتصادي لتحفيز المحاربين القدامى على الاندماج في صيغة الحل الجديدة، هذه المشاريع يجب أن تخرج من شكلها التقليدي كمرتبات وحوافز حكومية مقطوعة.
الحالة العراقية الجديدة قد تكون محفزة ومدعاة للتفاؤل، لكن ارتكاب أي أخطاء من قبل التباهى بالتغيير، وأنها تمت وفقاً لاستراتيجية زيادة القوات قد ينذر بانهيارات مفزعة على المستوى الأمني، متى ما أحس الناس بأن ما حصل لم يكن سوى براغماتية أمريكية متذاكية للخروج من المأزق..
على الأمريكيين أن يرقبوا بحذر المزاج العراقي وبمعيار الحقوق والواجبات.. حينها ستشدو بغداد بموالها الشجي مجدداً!.
*نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية
|
