طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 16 ذو الحجة 1428هـ - 25 ديسمبر 2007م
اعترافات عاطل عن العمل
 

صالح الطريقي

اغتصاب طفولة

كتب يقول : من المفترض أن أعرفك (أنت وقراءك إن كان لك قراء غيري) من يقف خلف هذه الرسالة ، مبدئيا يمكن القول (خريج غاضب وعاطل عن العمل ، ويشعر أن المجتمع لم يكترث له) إن لم يرق لك الاسم يمكن اختيار أي اسم (فيروز تقول : الاسامي كلام شو خص الكلام) .

ما يهمني أن أروي تجربتي أو تلك الندوب التي حدثت على جدار روحي ، وربما حين أروي ما حدث أعيد التوازن لنفسي وأكف عن الغضب من المجتمع ومني ولا أفكر في الانتقام .
أول ندبة حدثت كانت في الابتدائي ، كنت إذ ذاك في الصف الخامس صغيرا وضعيف ، وكان هناك لوحة علقت على جدار المدرسة كتب عليها (قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا) .

كان هناك معلم حركاته تثير الريبة ، وكنت أحب الرسم ، وكان أستاذ الرسم يظن أنه سيصبح لي شأن كبير في الرسم ، وكان في حصة الرسم يطلب مني الذهاب لأكمل لوحة قد بدأت العمل عليها ، وكانت لشجرة تساقطت أوراقها ، هل كنت أريد تعرية الأشياء لنراها بوضوح ، أم كنت أرسم الخريف ؟

هذا السؤال أطرحه الآن ، لكن الطفل الذي كنته رحل ، ولا أحد لماذا اختار الخريف ؟
كنت أشعر بغيرة الطلاب ، لأن أستاذ الرسم يعاملني معاملة خاصة ، وكنت لا أحب مدرس التوحيد لأنه على عداوة مع أستاذ الرسم مع أني لا أعرف سبب العداوة بينهما ، وكنت أشعر بمتعة وأنا في غرفة الفنية إلى أن دخل علي مدير المدرسة ، ارتبكت في البداية ثم تحول ارتباكي لخوف ، فقد التصق بي المدير لدرجة أني شعرت بجسده .
لست أدري ما الذي كان سيحدث لو لم يدخل أستاذ الرسم ، لكني كنت خائفا ، حين رأى الأستاذ الوضع طلب مني الذهاب للفصل وكان ينظر بغضب للمدير .

منذ ذاك اليوم لم أعد أحب الرسم لأنه يذكرني بالخوف ، وأظنك لن تغضب أنت وقراؤك (إن كان لك قراء) لأني كل مرة أمر من جانب لوحة (قم للمعلم ...) أبصق عليها .
أعرف أنه ليس من المفترض أن أعمم ، ولكن لا تنسى أني كنت طفلا ، وأن المدير استطاع (تطفيش) أستاذ الرسم ، فلم يبق لي معلم أبجله.

عودة للأعلى

الإبداع والعبيد

الثانوية كالمتوسط يمكن اختصار الحديث عنهما لتفاهة التجربة ، في الثانوية كان لدي موقف ضد مقولة (من علمني حرفا صرت له عبدا) ، لكني كنت لا أملك الشجاعة لأعبر عن رفضي ، لأني لا أملك القوة لتحميني من غضب المعلم ، الذي كثيرا ما نعتني بالمشاغب قبل أن يطردني من الفصل لعدم حفظي قصائد المتنبي ، وكنت لا أحب المتنبي لأسباب شخصية.

أول مرة تعرفت على المتنبي في المدرسة لم يرق لي كشاعر ، لهذا حفظت قصائده رغما عني ولفترة قصيرة ، لأنه لا يمكنني الانتقال للمرحلة التالية ما لم أجب عن السؤال (اكتب ستة أبيات للمتنبي في مدح سيف الدولة ؟) .
مازلت أذكر ابتسامة ذاك المراهق الذي كنته ، وأنا أضع رأسي على راحة يدي اليمنى المستلقية على الطاولة ، فيما يدي اليسرى تبحث عن أبيات قالها المتنبي ، ليعطيني المعلم علامة النجاح .

كانت الابتسامة بسبب خيالاتي الساذجة ، وأني كتبت أبياتا يهجو بها سيف الدولة لأفضح المتنبي أمام معلمي الذي إلى الآن لم يكتشف نفاقه ، وإن لم يحدث هذا يكفي أني سأثير غضب معلمي.
بعد أن رحلت عن معلمي وأصبح لا يملك سلطة على مستقبلي سألته : لماذا تجعلونا نحفظ قصائد شاعر منافق ؟
أخبرني أنني إن فكرت يوما أن أكون شاعرا علي أن اقتدي بشاعر العرب الأول ، قلت له : هل علي أن أكون منافقا لأصبح شاعرا ؟
قال بتعال وشفقة على عقل المراهق الصغير : المسألة ليست نفاقا ، المسألة أن أعذب الشعر أكذبه.

لم يرق لي هذا التفسير ، ولم أسأله هل علينا أن نصبح كاذبين لنكون شعراء ؟ ، لأن الحوار سينتهي كالعادة بأني مشاغب يحب الجدل .
فيما بعد قرأت تفسيرا مختلفا لم أعد أذكر لمن ، يفسر تلك الصور التي يرسمها الشاعر والتي لا يمكن لها أن تكون حقيقة ، وأن الأمر ليس كذبا بقدر ما هو أمر آخر ، فالشاعر حين يكتب أنه يرى جحافل وحوش تنطلق نحوه ، فيما أنت ترى محطة قطار مكتظة بالبشر ، لا يعني هذا أن الشاعر يكذب ، إن الأمر كالحلم فنحن يمكن لنا أن نحلق ونطير في الحلم أو أن تجلس فوق سحابة مع حبيبتك ، لكنه لا يحدث هذا في الواقع ، الشاعر لا يكذب ولا يروي الحقيقة ، إنه يروي خيالات تساعدنا على تحمل الحياة أو تكشف لنا قبح الواقع.

ترى ما الذي كان سيحدث لو أن صاحب المقولة معلم ؟
أظن سيصبح التعليم أفضل وبالتأكيد لن يطلب من الطلاب حفظ مقولة (من علمني حرفا صرت له عبدا) ، لأن العبودية ضد الحرية ، والإبداع لا ينتجه عقل مستعبد .

عودة للأعلى

البحث عن تذكرة سفر

في الجامعة كان كل شيء يفضحنا ، الكثير من الدكاترة لا هم لهم سوى العلاوات والسكن وتسجيل أقربائهم ، أو سرقة البحوث كما يتهمهم بعض الطلاب ، مع أني لا أصدق الطلاب لأن غالبية الطلاب كانوا يشترون البحوث من مكتبات بجانب الجامعة تضع لوحة أن لديها بحوثا للبيع ، وغالبية الدكاترة لا يقرأون بحوث الطلاب ولا يناقشونهم فيها .

اعترف أني كنت سأشتري بحوثا مثل الطلاب ، لكني كنت من الطبقة القريبة من الفقر ، أظنك الآن ستدعي أنت وقراؤك (إن كان لك قراء غيري) بأني سيئ وبلا مبادئ ولا قيم .
وقد يكون هذا صحيح ، ولكن من المسئول عن تأسيس المبادئ أنا أم هم ؟
ثم كيف يمكن بيع البحوث علانية ، ويكتب على البحث "عمل الطالب فلان" ، هل أصبح التزوير حلال ؟
وإلى أن تجدوا إجابة سأروي ما يحدث في مكتبة الجامعة .
في المكتبة هناك أقسام للكتب ممنوعة ولا يستطيع الطلاب الاطلاع عليها إلا بورقة من الدكتور إن كان لديهم بحثا ، وعادة لا يطلب الدكاترة بحوثا تثير الريبة ، لهذا دخلت وخرجت من الجامعة ولم أقرأ أي كتاب كتب عليه حرف الميم ، وهو أول حرف من كلمة ممنوع .
كذلك الباحثون من خارج الجامعة لا يطلعون على هذه الكتب ، إلا إن أحضروا موافقة من وزارة الداخلية .. تخيل .
المشكلة ليست هنا فقط ، بل في الكتب المتاحة ، فأنت يمكنك الذهاب للمكتبة وطلب كتاب يتحدث عن الحلاج ، وسترى ما الذي كتبه أحد الطلاب من تهديد ووعيد لمن يتعاطف مع الحلاج ، واللعن الموزع للقارئ وللحلاج معه ، وأن مأواهم جهنم وبئس المصير .
الحق يقال إني كرهت الجامعة أيضا ، لكنه كان علي أن أتخرج حتى لا أخيب أمل أبي ، مع أنه لو عرف ما الذي حدث لخاب أمله بالجامعة وليس في .
فالنجاح يمكن أن يتحقق لك لو أن لديك مادة عند مدرس يحتاج لخدماتك بالصيف في الخطوط السعودية لتساعده بالعفش الزائد .
وهكذا تخرجت .. اكتشفت متأخرا أن شهادتي لا قيمة لها في سوق العمل ، فأصبحت عاطلا عن العمل .

أخيرا .. أتمنى ألا أكون أثرت شفقتك أنت وقرائك (إن كان لك قراء) ، لأن الأمر سيغضبني فأنا لم أكتب باحثا عن تعاطفكم ، لأن تعاطفكم لا فائدة منه الآن ، بل أنا أرى أني أكثر شجاعة ، ومن يستحق التعاطف هو الجيل القادم ، فأنا انتهى أمري ولم أعد ذاك الطفل الصغير والضعيف الذي يبحث عن حماية ، ولا أنتم باستطاعتكم إعادة الزمن لتصححوا ما حدث لي ، فتزول تلك الندوب بالروح .
فقط أحببت أن أتحدث عل هذا الحديث يعيد توازني ، وتحاولون إصلاح ما يمكن إصلاحه ، فالجيل القادم يستحق حياة أفضل من تلك التي عشتها ، فأنا كنت أشعر أني وحيد لا أحد يكترث بي .

شكرا لك ولقراؤك (إن كان هناك من يقرأك) ، وإن لم تنشر رسالتي شكرا أيضا فأنا لا ألومك ولا ألوم الرقيب ، فأنا مثلكما أخاف من المجتمع الذي يرفض كشف المستور ، وسأكمل المسرحية معه وأدعِي أني مثل البقية ملائكي إلى أن أجد تذكرة سفر .

عودة للأعلى

تنويه من الكاتب ..

قد تكون القصة مختلقة أو هو واهم ، لكنه موجود في مكان ما بهذا الكون ، لأنه أرسل لي هذه الرسالة ، ومن حقه علينا سماعه لنصحح له وهمه إن كان واهما ، أو ليصحح مجتمعه ما حدث ، بغض النظر إلى أي مدينة أو كوكب أو مجرة ينتمي لها هذا الجامعي الذي درس 16 عاما ، ثم اكتشف أن شهادته لا قيمة لها في سوق العمل ، هذا يعني أن 16 عاما من حياته لا قيمة لها أيضا .

عودة للأعلى