طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأربعاء 17 ذو الحجة 1428هـ - 26 ديسمبر 2007م

ليتك كتمت غيظك يا "شيخ"!

 

إيمان القحطاني

أتذكر بوضوح كيف كان أستاذ اللغة العربية البادي لنا من شاشة صغيرة تعلو سقف القاعة الدراسية يردد على رؤوسنا في كل محاضرة أسبوعية أننا "طالبات القسم الإنجليزي"، آثمات بتعلم لغة الكفار، أتذكر أيضا أستاذة كانت تفتشنا طالبة تلو الأخرى بشكل مهين لتتحقق من المخالفات الشرعية في قاعة تربو طالباتها على 200 طالبة، وكيف كانت تصرح بلا مواربة أنها تتقزز من النظر إلينا بسبب ما تراه من أثداء نافرة ،على حد تعبيرها !

و أتذكر أيضا كيف كانت عميدة إحدى الكليات تخبرني هامسة أن بعض المعيدات طالبنها بخلع المرايا في حمام الطالبات كي لا ينشغلن بالزينة عن العلم وأنها رفضت ذلك مستهجنة طلبهن الغريب!

أسّرت لي أستاذة داخل كليات البنات منذ فترة قريبة كيف أن الأوضاع اختلفت الآن بعد أن تم دمج الرئاسة العامة لتعليم البنات سابقا مع وزارة التربية والتعليم لاحقا" ثم ضمها منذ عدة سنوات تحت مظلة وزارة التعليم العالي"، وكيف انفك ذلك الحصار التدريجي على البيئة التعليمية للبنات.

إلا أن ذلك كما يبدو لم يرق البعض من أصحاب المواقف الرجعية الجامدة من الدوغمائيين وأتباعهم، فقد لاح في الأفق مؤخرا عدد من الدلالات الخطيرة لإعادة الأمور إلى سابق عهدها، وتحركت تلك الجموع الحاشدة من التنظيمات الأصولية التي كانت تسيطر على تعليم البنات -ومازالت إلى حد ما- لتشوش على بعض الحراك التقدمي من خلال إصدارها لبيانات اعتراضية وفتاوى ومقالات صحافية، بدأتها ببيان لـ14 من أساتذة الطب يدعون فيه عميد كلية الطب مساعد السلمان إلى شرعنة الفصل بين الجنسين في كلية الطب حتى في الكشف على المرضى:" إننا نستحث سعادتكم لاتخاذ الإجراءات الكفيلة لإلزام الجميع بسياسة التعليم في بلدنا والتي تؤكد على المحافظة على جو تعليمي منفصل بين الذكور والإناث وذلك بمنع كشف الطلاب على المريضات وكذلك منع تدريب الطالبات على المرضى الرجال، طاعة لله ورسوله أولاً؛ وحفظاً لمحارم مرضى المسلمين، وحفظاً لدين الطلاب والطالبات من الفتن"شبكة نور الإسلام 28/12/1426هـ.

ولن تنتهي تلك المحاولات إلا بتحديد الدور الذي من المفترض أن تؤديه تلك المؤسسات التعليمية وقوننة نظامها الداخلي بحيث لا يجرؤ أيا كان على مخالفة ذلك النظام ،وذلك لا يعني حرمان من أراد إبداء رأيه تجاه القضايا العامة داخل المؤسسات التعليمية ولكن من خلال قنوات سليمة وبطريقة أكثر حضارية حتى لا يتكرر مشهد كهذا يُحاصر من خلاله عميد كلية للطب حتى يُحشر في زاوية ضيقة دون معين!

وأزعم أن تلك المحاولات لم تكن الأولى في ما يخص المؤسسات العلمية فقبل حوالي الأربعة أعوام او أكثر فوجئت بشقيقتي ترتدي رداءا عجيبا قبل ذهابها إلى كليتها ،المفاجئة كانت في تصميم ذلك الرداء فهو ليس بالرداء الذي اعتدنا على مشاهدة الأطباء او الطلاب يرتدونه في المشافي ،بل هو أشبه بالعباءة البالطو، حيث انه طويل جدا ويغطي كامل الجسد ويغلق بزر كبير من الأعلى! ،تساءلت عن هذا الزي العجيب فقالت لي أنها أوامر العميد بعد هجمة شرسة من قبل مطاوعة الكلية ومسئولة شؤون الطالبات!
وإكمالا للحقيقة المرة فذلك العميد ورغم رضوخه لمعظم السهام الموجهة نحوه إلا انه فضل العودة إلى رئاسة احد الأقسام عن أن يتصدى لكل تلك اللكمات وحيدا !
وفي انتكاسة جديدة وحملة أخرى وهذه المرة ضد كليات التربية الأدبية للبنات،وبعد أحاديث حول إلزام الكلية الطالبات باستصدار بطاقة الأحوال الشخصية والتي أقرت بشكل اختياري منذ عدة سنوات ،اجتهدت بعض المنتديات المتشددة في إدانة هذا القرار ورفضه بحجة أن صورة المرأة في البطاقة "حرام" ،وليت الأمر توقف عند حديث المنتديات بل فوجئت وأنا أتصفح موقع شبكة نور الإسلام بمقطع تلفزيوني حديث للدكتور عبد العزيز الفوزان على قناة المجد الفضائية يرد فيه على مستفتية تقول :"لو سمحت يا شيخ إحدى الكليات ألزمت طالباتها بإخراج بطاقة الأحوال فما هو توجيهكم تجاه هذا الأمر؟"

ليرد الفوزان:"لا أكتمك أتأسف كثيرا لإلزام نساؤنا بهذا الأمر،بلد محافظ ونساؤه تعودن على الحجاب الشرعي الكامل لا يظهر شيء من جسدها ، وتلزم نساؤنا بطرق شتى وبالتدريج لاستخراجها وتكون هناك نسخة لدى الوزارة المختصة ،وربما تضيع ويتم ابتزاز المرأة بها ..هناك طرق أخرى كالبصمة وهو من المتفق عليه عالميا،لا يجوز استغلال ذلك لإكراه المرأة على ما حرمه الله !".فقاطعه المذيع ماذا يفعلن الآن ؟ رد الفوزان قائلا :"اتصلت علي كثير من الأخوات بعد هذا القرار ويقولون انه بعد إخبار أهلنا ردوا إن أصروا على الصورة فاتركن الجامعة أليس هذا من أعظم الظلم لإصرارهم على دخولها الامتحان إلا بهذه الصورة لا أرى انه مبرر شرعي ويجب التسامح الآن حتى يتيسر نظام البصمة".
و بغض النظر عن نوع السؤال المطروح وكأن المتصلة من حاملي الأجندات الخفية ممن ينتظرون التوجيه الرباني لتنفيذه في ساحات الوغى التعليمية،وإحقاقا لفكرة التعبئة التي حفل بها التعليم العام والجامعي من جرعات دينية خاطئة في معظمها فنحن هنا لا نلوم المتصلة أم عبد الرحمن التي ما هي إلا بيدق ضمن بيادق كثيرة شحنت بطريقة منظمة لتحمل لواء الإسلام المتشدد وتنقله إلى الأجيال القادمة.

ولكننا نلوم الشيخ المفتي عبد العزيز الفوزان الذي لم يقدر كلمة مما قالها بل اعتمد على رؤيته الأحادية لتلك البطاقة ،مطلقا حكم التحريم استنادا إلى رؤى فقهية جامدة ،متناسيا أن صورة المرأة تظهر في وثائق ثبوتية أخرى غير البطاقة الشخصية،نطق الفوزان بالحكم دون أن يتثبت من تأثير تلك الفتوى على قطاع واسع وكم ستثير من بلبلة لا داع لها .
وهو لم يكتف فقط بتحريم البطاقة الشخصية للنساء بل و نسج عددا من المؤامرات التي لا وجود لها على ارض الواقع من حيث إضاعة الوزارة المختصة للصورة ومن ثم ابتزاز المرأة بها وكأن البلد ضائع بلا قانون يحكمه!
لم يتوقف الشيخ الفوزان عند ذلك بل ،ساهم في تجييش قطاع عريض من الطالبات ضد ذلك القرار من خلال تحريمه تارة ووصفه بالأمر الإجباري الذي تجب مقاومته شرعا تارة أخرى .
قد اتفق على منح الطالبات خيار الحصول على تلك البطاقة أم لا حيث أن لا ذنب لهن أن رفض أولياء أمورهن استخراج تلك البطاقة واعتقد غير جازمة أن الكلية لن تجبر طالبة على أمر كهذا إن كان خارجا عن إرادتها ،هذا إن افترضنا جدلا أن الكلية أقرت أمرا مماثلا بتلك الصيغة التي ظهرت لنا.
ما يهمنا حقيقة في هذا الموقف فتوى الشيخ اللاعقلانية إزاء سؤال المستفتية وإشعاله لفتنة لا تستحق كل هذا التكدير والتجييش!

ثم الم يتعظ الشيخ الفوزان من فتوى سابقة له على نفس البرنامج عام 2005م حين ربط بين كارثة تسونامي في جنوب آسيا وبين احتفالات أعياد الميلاد والتي أثارت دهشة العالم بمنطقها القاسي اللإنساني وبثتها شبكة "إن بي سي" الأمريكية في نشرتها الإخبارية الرئيسية ليشاهد العالم الفوزان وتحت حديثه المتلفز على ذات القناة دبلجة إنجليزية يصف بها تلك الكارثة بالعقوبة الإلهية جزاء مستحقا لانتشار المعاصي والمجون والشذوذ في تلك المنطقة!

يجب أن يتوقف هذا العبث الإفتائي تجاه كل قضية لها علاقة بشؤون المسلمين العامة وأحوالهم ومعاملاتهم، وان تناط تلك المهمة بجهة رسمية معتبرة لها وضعها وثقلها الديني حتى لا تخلق البلابل وينقسم المجتمع بين ما هو حلال بيّن وما هو حرام بيّن.

ويجب أن تفرغ المؤسسات التعليمية من الجماعات الدينية النافذة داخلها منذ عقود ،وأن لا تترك لهم الساحة ليعيثوا فيها فسادا كيفما شاءوا ،كجماعات المصلى وجماعات التوجيه الديني في الوزارات التعليمية التي تستصدر القرارات الغريبة لتحكم السيطرة على تلك المؤسسات ضمن ما تؤمن به من أفكار متطرفة لا اصل لها في الدين الإسلامي إنما هي تفسيرات ممتزجة بصبغة الايدولوجيا والجمود الفقهي.

وان تسعى كليات البنات إن أرادت أن تلزم طالباتها بالحصول على البطاقات الشخصية بالتخاطب مع اسر تلكم الفتيات دون إحراجهن او وضعهن في موقف صعب قد يجبرهن على ترك دراستهن جراء اجتهاد الشيخ الفوزان!

عودة للأعلى