محمود المبارك
أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل في الولايات المتحدة - على هامش حضوره مؤتمر أنابوليس في الخريف الماضي - قوبل الأمير السعودي بوابل من أسئلة الصحافيين الأميركيين عن قضية "فتاة القطيف"، التي انتهت لاحقاً بعفو ملكي.
في الوقت ذاته تعالت نداءات – يصعب القول إنها جاءت مصادفة مع زيارة الوزير السعودي - من عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، منهم المرشحة للرئاسة السيدة هيلاري كلينتون، تطالب الرئيس بوش بالتدخل الصريح والمباشر في أحكام قضائية داخلية في قضية سعودية بحتة. وعلى رغم مخالفة ذلك لقواعد القانون الدولي والمادة 2 (7) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر على الدول التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا أن الرئيس بوش أعلن أنه أبلغ رسالته للقيادة السعودية بهذا الشأن.
اليوم حيث يحل الرئيس الأمريكي ضيفاً في العاصمة السعودية، ثمة فرصة مواتية لكي نُلقي بعض المواعظ القانونية على مسمع الرئيس الأمريكي. ولعله من المفيد بدايةً، أن نكون على مستوى المسؤولية القانونية في الدفاع عن أبنائنا الذين اضطهدتهم السلطات الأمريكية بغير حق. ولعل أبرز قضايا هذا الجانب هي قضية طالب الدكتوراه السعودي حميدان التركي، الذي كان صدر بحقه حكم بالسجن 28 عاماً، بسبب تهمة بدت في ما بعد أنها ملفقة من المباحث الفيديرالية الأمريكية.
فالمطلوب اليوم أن يعلم الرئيس الأمريكي أن الحكومة السعودية لم ولن تنسى أبناءها الذين ابتعثتهم لنيل أعلى الشهادات في التخصصات النادرة في جامعات الولايات المتحدة المرموقة، وأنها تطالب الرئيس الأمريكي بالتدخل شخصياً لإنهاء مأساة هذا الشاب. إذ هل يعقل أن يقضي شخص 28 عاماً من حياته في السجن لمجرد تحرش جنسي، على افتراض صدق رواية الخادمة وإن تبين كذبها؟! ماذا أبقى القضاء الأمريكي إذاً للقتلة والمغتصبين ومروجي المخدرات؟ ولِمَ تقبل محكمة أميركية اعتراض المباحث الفيديرالية في كشف سجلات الشهود في حادثة غير مسبوقة في القضاء الأمريكي؟
هل يقتضي العدل الأمريكي أن يُعرَّى المتهم من كل ملابسه وتفتش عورته تفتيشاً دقيقاً، في حين تجبر زوجته على خلع حجابها في المحكمة أمام الكاميرات؟ لماذا لا يلقى المواطنون السعوديون معاملة مماثلة لتلك التي يلقاها الأمريكيون في السعودية؟ أمن المعقول أن يُبتز شبابنا ليجنَّدوا جواسيس على إخوانهم كما جرى مع الشاب التركي بحسب اعترافاته الشخصية؟
ثم لماذا لا يستخدم الرئيس الأمريكي حقه الدستوري في إصدار عفو رئاسي عن الشاب السعودي، إن لم يكن لأجل العدالة المُغَيَّبَة، فليكن إكراماً للقيادة السعودية التي لم تتوان يوماً عن التعاون مع الحكومات الأمريكية المتعاقبة؟ فالرئيس الأمريكي - كغيره من زعماء العالم - يملك حق العفو الخاص عن أي شخص صدرت بحقه أحكام قضائية كما نصت على ذلك الفقرة الثانية من المادة الثانية من الدستور الأمريكي.
على أن مطالبة الرئيس الأمريكي بإطلاق سراح طالب الدكتوراه المتفوق يجب ألا تتوقف عند أعلى سلم في القيادة السعودية، بل يجب أن تشمل جميع فئات المجتمع السعودي، لتكون هذه القضية قضية كل مواطن سعودي، عن طريق إرسال الرسائل الإلكترونية للسفارة الأمريكية وبعث النداءات للبيت الأبيض والكونغرس الأمريكي عبر مواقع الإنترنت. كما يجب أن تتحرك النخوة العربية في الصحافة السعودية لكي تملأ أسماع السفارة الأمريكية، التي تراقب كل ما يكتب عن زعيمها أثناء زيارته حول اهتمامات المواطن السعودي. وفي الوقت ذاته يجب أن تكثف الفضائيات السعودية جهودها حول هذا الموضوع خلال زيارة سيد البيت الأبيض للسعودية، ليعلم مدى ارتباط الشعب السعودي بأبنائه في كل مكان.
وبمناسبة الحديث عن المعاملة الأمريكية للسعوديين عموماً، ربما يكون الوقت مناسباً لطرح أسئلة على الرئيس الأمريكي حول المعاملة المهينة التي يلقاها السعوديون من قبل الأجهزة الأمريكية قبل وبعد وصولهم إلى الأراضي الأمريكية.
إذ هل من المعقول أن يصطف المواطنون السعوديون في صفوف تصل إلى مئة متر ثم يتعرضون لتفتيش دقيق وتحقيق كامل من قبل المسؤولين في القنصليات الأمريكية، في معاملة وصفتها مصادر إعلامية بأنها "غير إنسانية»؟ هل يرضى الأمريكيون بأن يعاملوا المعاملة المهينة نفسها في سفارة خادم الحرمين في واشنطن؟
ثم لماذا يبدو التحيز واضحاً ضد الطلبة السعوديين، إذ لا يمنح من اجتاز المقابلة منهم إلا تأشيرة تغطي ثلث مدة الدراسة المطلوبة، في حين يُمنح مواطنو قطر ولبنان والكويت والأردن وعمان والمغرب والبحرين وتونس ومصر وموريتانيا تأشيرة تغطي مدة الدراسة كاملة؟ ثم لماذا تصنف الخارجية الأمريكية تأشيرة السعوديين رسمياً في قائمة واحدة مع العراقيين والسوريين والصوماليين والليبيين؟
وهل من المنطق أو العدل أن يتعرض 70 في المئة من السعوديين القادمين الى الولايات المتحدة للاحتجاز أو الاستجواب لساعات طويلة من سلطات الجمارك والهجرة، قد تصل إلى ثماني ساعات، الأمر الذي غالباً ما يتسبب في فوات الرحلات المتواصلة للقادمين؟
وهل ستفعل الحكومة الأمريكية شيئاً تجاه أبنائنا الدارسين في الجامعات الأمريكية الذين يجاوز عددهم عشرة آلاف طالب، لطمأنتهم بأنهم لن يكونوا عرضة للترحيل في أي وقت، كما هو الهاجس الأكبر لدى كثيرين منهم اليوم؟
إذ قد يكون الغياب عن بعض المحاضرات سبباً لدائرة الهجرة الأمريكية في ترحيل من تشاء، كما قد تتسبب أية مخالفة مرورية ولو صغيرة في الشيء ذاته، بل إنه حتى الخروج من ولاية إلى أخرى - إذا لم يصاحبه إشعار مسبق للمباحث الفيديرالية - فقد يتسبب لصاحبه بأذى، وهو أمر لم يكن معهوداً في السابق، وهو خاص بالطلبة السعوديين دون غيرهم.
الأمر الذي يجب أن يعلمه الرئيس بوش أثناء زيارته هذه هو حقيقة أن واشنطن بحاجة إلى الرياض كحاجة الرياض اليها إن لم تكن أكثر، وأن المواقف التي وقفتها الحكومة السعودية إلى جانب الولايات المتحدة، ولم تقم الولايات المتحدة بشكرها عليها، أكثر من أن تحصى.
وأنه نظراً للتعسف القانوني ضد أبنائنا، فإنه حان الوقت لكي نحاسبهم كما يحاسبوننا. إذ أن القاعدة الثابتة عند القانونيين والسياسيين كما عند الكرويين، "أفضل سياسة للدفاع هي الهجوم"!
*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
