هشام العوضي
شكرا يابن خلدون لأنك علمتنا أن الدولة، كالإنسان، تشيخ وتهرم، وشكرا داروين لأنك علمتنا أن البقاء للأصلح، وأن الانقراض مصير من لا يتكيف مع الظروف.
ولكن يبدو أن الدولة العربية لم تعتبر من ابن خلدون، أو من داروين، فهي لا تريد أن تشيخ، ولا تريد أن تتكيف، ومع ذلك تطمح لأن تحافظ على شبابها أبدا، بعمليات تجميل طفيفة لن تستطع إخفاء تجاعيد الزمن.
أقرأ حاليا عن صراع الدولة العربية مع ثقافة المدونات، التي يقودها بنات وأولاد في العشرينيات والثلاثينيات، واستغاثة من صحافة “الغارديان” البريطانية أن يضغط الرئيس بوش في جولته للشرق الأوسط على قادة الدول العربية لإطلاق سراح من تعتقلهم بسبب مدوناتهم.
ويذكرني هذا بما أطلق عليه روبرت فيسك، صحافي “الإندبندنت”، بـ “حرب الفاكسات”: انتقاد معارضين سياسيين لأوضاعهم العربية من خلال إرسال فاكسات إلى مواطنيهم في الداخل. وأعقبت حرب الفاكسات، حرب الجزيرة، (وليس درع الجزيرة)، أي قناة الجزيرة، وهي حقبة الفضائيات، التي كادت تهدد، حسب نظرية داروين، قنوات التلفزيون الحكومية بالانقراض.
والآن نعيش حرب المدونات، التي يقودها هذه المرة شباب عادي، غير مؤدلج سياسيا، لكن لديه ما يقوله، ولا يشعر بأن الدولة تفسح له في الفضاء كي يعبر عن رأيه كما توفر له شبكات الإنترنت، وblogspot.com.
وأمام الدولة خياران، إما أن تحافظ على لياقتها بممارسة رياضة الانفتاح، فلا تشيخ، حسب ابن خلدون، أو تصر على فرض ثقافة الخمسينيات والستينيات في 2008، وتثبت خطأ نظرية داروين في أصل الأنواع.
لما نشأت الدولة العربية الحديثة، كانت شابة جميلة، وتملك من اللياقة أن تعد الناس بالرفاهية: مجانية التعليم، والعلاج، والتوظيف، والرعاية “من المهد إلى اللحد”.
وكانت حدود الدولة هي قضبانها، ومفاتيحها في يد وزارة الإعلام، وربما تمكنت إذاعة “صوت العرب” التي تذيع أغاني أم كلثوم وخطابات عبد الناصر من أن تتسرب من فجوات القضبان، وفيما لو أراد “الرعايا” أن يعبروا عن رأيهم، فليس أمامهم سوى الشارع الحكومي، أو الصحيفة الحكومية، أو السجن الحكومي. حسب داروين، فإن العقود الماضية كانت لمصلحة الدولة، التي استحقت أن تنمو وتتضخم، لأن الظروف كانت لمصلحتها، وحسب ابن خلدون كانت لا تزال الدولة ناشئة.
لكن العقود المقبلة، وآسف للقول، لن تكون لمصلحة الدولة المطلقة، وأن الحدود، لم تعد سوى خطوط جغرافية رفيعة تتلاشى في أعيننا كلما حلقت بنا الطائرة إلى أعلى. أيتها الدولة العربية العزيزة، لاحظي التغيرات: زيادة رهيبة في عدد السكان، يضغط على مخزون الثروة، ويصيبك بالتوتر من إمكانية الحفاظ على دورك الرعائي التقليدي “مهد ولحد لكل مواطن”، ونسبة 60 في المائة من شريحة الشباب التي سافرت للخارج، أو درست في الداخل في مدارس أجنبية، وتأكل ماكدونالد وتلبس الجينز الضيق والمهترئ، ولا تأكل من “فريج صويلح”، أو تلبس الدشداشة المعطرة بدهن العود إلا في مناسبات الأعراس والعزاء. هذا الشباب، مع احترامي، لا يعرف شيئا عن أم كلثوم، ولا عبد الناصر، ولا يرى ما تبثه وزارة الإعلام، ولا يرى قضبانا، لأنه في نشأته لا يعترف بثقافة القضبان. هذا الشباب، قد لا يكون مثقفا، بمعنى أنه يعرف في السياسية والدين والتاريخ، ولكنه ابن زمن العولمة والفاست فود، ويفكر ويحلم ويشتم بالإنجليزي والعربي، وشئنا أم أبينا هو أقرب إلى واقعه ممن هو في الستين والسبعين من العمر. لديه أفكار، قد نراها مجنونة، ومخيفة، فلا نشعر بالارتياح في أن نمنحه الفرصة للتعبير عنها، لأنها ستربك مياهنا الراكدة، والدوواين، باعتبارها فضاء يعتمد على الثقافة الشفاهية، ربما لا يرونه موائما له، وبالتأكيد “لها”، لأنه يفضل الكتابة، عن الكلام، والإفصاح بتلقائية عن خبايا نفسه من دون أحكام اجتماعية مسبقة. وخبايا النفس هي الفضفضة عن الحب، والغرام، والعاطفة، لكنها تشمل أيضا الكلام عن الفساد، والواسطة، والبطالة، والإصلاح السياسي. وضع مخيف أليس كذلك؟ إنها حرب النجوم المستقبلية، التي ستكون مختلفة عن حرب الفاكسات، والفضائيات، لأن أدوات الحرب ستكون في متناول كل من يملك شاشة كومبيوتر، موصولة بخط إنترنت، ولديه فكرة. إنها حرب لا يخوضها مواطنون ضد دولة بعينها، وإنما شرائح متعددة فرقتهم حدود الدولة، أو قضبانها، وجمعتهم فضاءات النت.
والمثير أن هناك مساعي من البعض للتكيف مع الزمن الجديد، فالرئيس الإيراني أحمدي نجاد، صدق أو لا تصدق، لديه مدونة شخصية على النت، يتكلم فيها عن خواطره وحياته الشخصية، والاستخبارات الأميركية، والبنتاغون، بدأت توظف عربا وإيرانيين وباكستانيين يدخلون إلى منتديات النت، والمدونات لتحسين صورة أميركا بأسلوب أذكى جدا من أسلوب قناة “الحرة”، أو المسؤولين الرسميين في واشنطن. أما معظم الدول العربية، فإنها اختارت أن تلاحق أصحاب المدونات وتعتقلهم.
ولكن عندي أخبار جيدة للدولة العربية: تقول الدراسات إن الذين يستخدمون النت في العالم العربي هم في الحقيقة أقلية: 7 في المائة في مصر، 35 في المائة في قطر، 27 في المائة في الإمارات، مقارنة بـ51 في المائة في إسرائيل. (31 في المائة من المدونات العربية تخرج من الكويت!).
ومن حوالي أكثر من 347 مليون عربي، 32 مليونا فقط يدخلون على النت، أي 3 في المائة، فأبشري! المشكلة أن الدراسات تؤكد أن ظاهرة المدونات ستنمو مع الوقت، ولن تكون مجرد كلام فقط، وإنما صور، يلتقطها الشاب عبر كاميرا الموبايل عن تجاوزات الأمن مثلا ضد مواطنيها ويبثها على النت، فتنشرها رويترز في اليوم التالي على الصحف (بضاعتكم ردت إليكم).
إن الدولة العربية يجب أن تدرك أن الزمن تغير، وأن “الرعايا” تحولوا إلى “مواطنين صحافيين”، وأن معظم هؤلاء الصحافيين شابات وشبانا لا يعرفون الخوف، لأنهم لم يتربوا عليه كما تربى عليه آباؤهم وأجدادهم في الخمسينيات والستينيات، عندما كانت الدولة هي الأب الروحي، وحدودها هي قضبانها.
ويبقى التحدي: هل ستستمع الدولة العربية إلى نصائح ابن خلدون وداروين؟ أم ستستمر في تفضيل ميكيافيلي عليهما؟!
*نقلاً عن صحيفة "أوان" الكويتية |
