طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 15 صفر 1429هـ - 22 فبراير 2008م

ماذا بعد هروب الحضري؟!

 

فراج إسماعيل

ليس عندي أي تفسير لهروب الحضري إلى ناد في المركز الثامن من عشرة أندية بالدوري السويسري.
التفسير قد لا يكون متوفرا عند الأهلي نفسه، فالمسئولون فيه فوجئوا أيضا بسفر الحارس الأوحد لمنتخب مصر بهذه الطريقة التي لم يخبر بها أحدا ما عدا أسرته طبعا!
لأن الأهلي جاذب للاعبين وليس طاردا فقد صدمنا. ولأن ذلك لم يحدث في الأهلي من قبل، لا سيما أن "الهارب" في وزن الحضري محليا ودوليا، شعرنا أن مناخ ما بعد غانا أرسل سحاباته مبكرا!

لا اتفق مع من قال إن الأمر لا يعدو أن يكون سحابة غضب بسبب اصرار مانويل جوزيه على نزع شارة الكابتن منه، أي أن الكيل فاض به أخيرا فقرر الانقلاب على من انقلبوا على قيادته الشرعية للفريق الأول.
الحضري تجاوز هذه الاشكالية منذ وقت طويل، وظهر لنا من حواراته قبل غانا أنه لا يعيرها بالا. ويرى في قيادته للمنتخب في غياب "الكابتن" أحمد حسن تعويضا أكثر من مناسب.

الأهلي أيضا لم يفقد عامل الجذب ولم يتحول في يوم وليلة إلى "طارد" للاعبين مثل باقي أندية مصر، خصوصا منافساه الرئيسيان الزمالك والاسماعيلي.
إذن هو مناخ جديد سيطرأ على الكرة المصرية إلى أن تذهب "سكرة" غانا كما ذهبت سكرة بوركينا فاسو1998 عندما اكتشف السماسرة أن هناك لاعبين مصريين يصلحون للاحتراف الخارجي ويقارعون مستوى محترفي الكاميرون وكوت ديفوار وغانا ونيجيريا وغيرها من دول أفريقيا السوداء.

نعم هي "سكرة" وستذهب سريعا لأن اللاعب المصري إذا خرج من داره قل مقداره، فهو لا يصبر على الغربة، وتدمع عيناه عندما يتذكر الاطلال ومرابع الطفولة والشباب!
هذه العادة المتوارثة تحتاج باختصار إلى روائي مبدع بحجم الراحل نجيب محفوظ، أو عالم بحجم الدكتور أحمد زويل لكي يعيد حبكها أو اختراعها لتناسب الواقع الحالي وتخرجها من زمن قيس وليلى وبهية وياسين وأدهم الشرقاوي!
وإلى أن يحدث ذلك سيظل الأهلي هو آخر طموح اللاعبين المصريين حتى لو كان الواحد منهم في طريقه لريال مدريد أو برشلونة أو تشيلسي!

لكن المنتخب الوطني بعد غانا تحول أيضا إلى طموح كبير لكل لاعبي مصر خصوصا مع استمرار قيادة حسن شحاتة الذي جعل منه نهرا آخر للنيل، يتوق الجميع لأن يشرب منه حتى نانسي عجرم!
على فكرة جلوس نانسي بجانب شحاتة في حفل تكريم المنتخب ليلة الخميس وغناؤها له أثار أيضا حاسدين ومشتاقين. وقد لاح في خاطري أن شحاتة بما أبداه من خجل خشي أن تكون نانسي قد قرأت "تلكس" محمود معروف في صباح اليوم نفسه وانتوت تنفيذه!

المناخ المؤقت حاليا أن الدوري المصري رغم مبالغة البعض في شأنه بعد غانا ليس هو الطريق المضمون للمنتخب، وأن اصرار شحاتة على ضم محترفين في الخارج لا يشاركون مع أنديتهم معناه أن اللاعب المحترف سره باتع!
بالفعل "سره باتع" حتى لو لم يلعب فيكفي أنه يعيش حياة المحترف الصارمة ليل نهار في النوم واليقظة، وفي الملعب والبيت، وفي طعامه وشرابه.
الدوري المصري وكل الدوريات العربية والأفريقية ضعيفة جدا. المقارنة بين المحليين المصريين والمحترفين الأفارقة في غير محلها ولا يجب أن يخدعنا البعض الذين ينتهي طموحهم أيضا في سلة نقاط الدوري حتى أصابونا "بالنقطة"!
لو فازت مصر على البرازيل مثلا فلا يعني هذا أننا الأفضل وأننا سنأخذ كأس العالم أو سنصل إلى المونديال من الأساس!

ولا يعني فوزنا على الكاميرون وكوت ديفوار أن لاعبينا المحليين أفضل من صمويل ايتو ودروجبا وعبدالقادر كيتا وباقي جواهر أفريقيا في أوروبا، وأن الأندية الانجليزية والأسبانية والفرنسية ستعطيهم استمارة "6" وستهبط مصر جريا وراء لاعبينا!
لا يجب أن نخدع أنفسنا ونفرط في الأحلام أكثر من اللازم. التلوث في بر مصر لم يتحول فجأة إلى جنة وارفة الظلال تمنح الصحة والعافية واللياقة الذهنية والنفسية. الفوضى واللخبطة والزحام والسهر والاستيقاظ بصعوبة لا يقارن بأي حال بالنظام الاحترافي الصارم في الغرب.

أحمد سليمان قال إن الحضري لم يصل إلى حالته المتألقة إلا بعد أن خاض عدة مباريات قوية مع المنتخب، جعلته يتفوق على نفسه في مباراة كوت ديفوار، فهو لا يتعرض لاختبارات حقيقية في الدوري المصري.
كم هجمة خطيرة تعرض لها. لا أكاد أجد في مباريات الدوري كلها كرة واحدة من التي سددها عليه لاعبو كوت ديفوار أو حتى انجولا!
ليس أمام الحضري الكثير من الوقت فهو في ربيعه الخامس والثلاثين، وقد يعتزل بعد عام أو عامين على الأكثر.

سفره المفاجئ لا يزيد عن كونه عملية تأمين مادية لا أكثر ولا أقل، خاصة أن النادي السويسري ليس كبيرا أو معروفا ويقف على مشارف الهبوط للدرجة الثانية.
لا يوجد ناد أوروبي كبير يدفع أكثر من 400 ألف دولار في لاعب وصل لذلك العمر حتى لو كان بحجم حارس مرمى بامكانيات الحضري.
المشكلة ليست في هروب الحضري، ولكن لأنه لا يوجد في الأفق الآن حارس مصري بديل بكفائته أو حتى قريب منه.
لو غاب الحضري بسبب الاصابة أو السن فان منتخب مصر سيصبح مثل كوت ديفوار "قربة مخرومة"!

وهذا ما سيعانيه الأهلي أيضا بسبب سياسة جوزيه التي جعلت كل الرصاص في جيب الحضري وأهملت البديل.
ولأن الأهلي لم يقدم موهبة جديدة في حراسة المرمى حتى الآن على غير عادته، فلا أمل يبدو في الافق لسد يغرة محتملة في المنتخب، فعلى مدى تاريخ الكرة المصرية كان الأهلي هو المنتج الأكبر لحراس المرمى الأكفاء ما عدا استثناءات ظهر فيها حسن مختار من الاسماعيلي وحسن علي من الترسانة وعرابي من الاتحاد السكندري والمأمور ونادر السيد من الزمالك.
الآن جدبت الأرض كلها وتوقفت الأمطار وأصبحنا أمام أزمة كبيرة تقترب بنا بشدة من حالة كوت ديفوار التي خسرت مسيرتها نحو كأس أمم أفريقيا في غانا بسبب حراس مرماها!

هرب الحضري ولكن ماذا بعد؟!.. حتى لو عاد للأهلي فان الأزمة لن تنتهي.
ماذا نحن فاعلون لنحول "سكرة" التطلع للاحتراف الخارجي إلى "حياة" تدب في الكرة المصرية وليس مجر سحابات أو أمطار صيف؟!
لابد ان تنتهي الليالي الملاح التي نقيمها حاليا ونبدأ الخطوة التالية فورا.

عودة للأعلى