عبد الله ناصر الفوزان
الشيخ الكريم صالح الحصين إنسان فاضل بكل معنى الكلمة كما أسمع عنه، فهو ورع وتقي وزاهد و"حقّاني"، ولو وجد أن لديه مظلمة لقطة لبادر بإنصافها قبل أن يأوي إلى فراشه فكيف يظلم البشر؟ وبالإضافة لهذا كله فهو رائد من رواد حوارنا الوطني.
الشيخ صالح الحصين من أهم الشخصيات التي رعت الحوار الوطني وأدارته ومازالت تفعل ذلك، وهذا يعني كما يفترض أن الشيخ صالح من أول المقتنعين بمتطلبات الحوار وأهدافه وأساليبه وفوائده، ولذلك فلا بد أن يكون من أول الداعين لاحترام آراء الآخرين واحترام خياراتهم، ومن أكثر الرافضين لمصادرة خيارات الناس في الأمور المتعلقة بهم، خاصة عندما يحمل مسؤولية تتعلق بهم وظيفية أو غير وظيفية.
لهذا فقد شعرت بالذهول، بل بالذهول الشديد حين علمت أن رئاسة الحرمين الشريفين قد امتنعت عن اتخاذ الإجراء الذي اتخذته الحكومة منذ عدة سنوات بتحويل رواتب موظفيها لحساباتهم في البنوك مباشرة عن طريق نظام سريع بهدف التسهيل عليهم وحمايتهم من أي أخطار أمنية عندما يتسلمون رواتبهم ويحملونها في جيوبهم، ولكي يتمكنوا من الاقتراض من البنوك إذا اضطروا لذلك دون تقديم ضمانات قد لا تتوفر لديهم باعتبار أن الراتب عندما يحال لحساب الموظف في البنك الذي اقترض منه ويلتزم بحسم ثلثه لصالح البنك شهرياً فهو أكبر ضمانة.
رئاسة الحرمين الشريفين - فيما يبدو - لم تقتنع برأي الحكومة، ورأت أن القرار لا يخدم مصلحة الموظفين بل بالعكس يضرهم، ولذلك فقد امتنعت عن التنفيذ، واستمرت تصرف رواتب موظفيها بتلك الطريقة القديمة أي مباشرة بواسطة مأموري الصرف بالتوقيع على المسيرات وتسليمهم الرواتب "كاش" ومباشرة، ومع أن امتناع عضو من أعضاء الحكومة عن التقيد بسياستها وتنفيذ قراراتها هو أمر غير جائز في رأيي فقد نقول تجوُّزاً لابأس في ذلك لو أن الرئاسة قد أقنعت موظفيها بوجهة نظرها... ولكنها لم تفعل فيما يبدو أو حاولت إقناع البعض ولم تستطع، فقد طالب هذا البعض بتحويل رواتبهم للبنوك ليحصلوا على الفوائد التي توختها الحكومة بقرارها، وليسلموا من مضار الطريقة القديمة، ولكن رئاسة الحرمين كما يبدو اعتبرت نفسها أعرف بمصالحهم منهم، فلم تستجب لرغبتهم... ولكن لأن هؤلاء الموظفين - كما يبدو - يرون أنهم هم الأعرف بمصالحهم، فقد تظلموا لجهات أخرى وكانت الرئاسة كما علمت ترد بالقول إن ما ذكره الموظفون عن امتناع رئاسة الحرمين عن تحويل رواتب موظفيها إلى حساباتهم في البنوك صحيح... أي أنها تؤكد الحالة... وبعد ذلك تقول إنه تم إفهام المتظلمين بأن ما يطلبونه أمر مناقض لمصلحتهم ومصلحة زملائهم"!!"، وهذا هو ما تقوله الرئاسة بينما واقع الأمر أنهم لم يفهموا ذلك، أو على الأصح لم يتفهموا.
رئاسة الحرمين تستند في موقفها المخالف لموقف الحكومة إلى أن غرض الموظفين من مطالبتهم بتحويل رواتبهم لحساباتهم في البنوك هو الاقتراض من تلك البنوك وتقول إنها امتنعت عن تحقيق رغبتهم لما في هذا من آثار اجتماعية مدمرة (!!) وتوضح هذا النوع من التدمير فتقول إن الاقتراض أولاً سيشجع على الاستهلاك وسيجعل الموظف يرتهن جزءاً من رواتبه القادمة لمصروفات حاضرة فيختل التوازن ويعود عليه ذلك بالضرر الكبير في المستقبل، أما ثانياً فتقول إن الاقتراض سيكون إما بالربا الواضح المحرم، أو بالربا الخفي المسوغ بالحيلة الذي تقوم به بعض المصارف وفروع البنوك المسماة نوافذ إسلامية وهذا كما تقول إدارة الحرمين الشريفين أغلظ في التحريم لأن اليهود يرتكبون مخالفات السبت ولكن الذين استحقوا المسخ قردة منهم هم من ارتبكوا المخالفة بطريقة الحيلة، وهذا الذي ذكرته رئاسة الحرمين الشريفين لافت للنظر حقيقة ومستغرب، فبالنسبة للأمر الأول فالموظفون أعرف بأحوالهم ومصالحهم وما يضرهم وينفعهم، والمسألة تخضع لوجهات النظر، فإذا كان هذا رأي الرئاسة فهناك آراء أخرى،
ووجهة النظر التي ينبغي الأخذ بها هي وجهة الشخص نفسه المستفيد أو المتضرر من الحالة وليس وجهة نظر رئاسة الحرمين، وعلى سبيل المثال فالشيخ عبدالعزيز التويجري - رحمه الله - كما نقل الدكتور محمد الرشيد في - أحد مقالاته - له وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر رئاسة الحرمين أخذها من أحد أساتذته بل نستطيع أن نقول إنها متطرفة في الجهة الأخرى، إذ إنه يرى مناسبة أن يقترض الإنسان لتسديد ديونه، ثم يقترض مرة أخرى لتسديد تلك القروض الجديدة عندما تحل، والاستمرار في هذا الأسلوب حتى ييسر الله حلاً للمشكلة، وقد أخذ بوجهة النظر هذه وطبقها على نفسه، كما ذكر الدكتور الرشيد، ولم أورد هذا الرأي للشيخ عبدالعزيز لأني أوافق عليه، بل على العكس فوجهة نظري أنه غير مناسب البتة، ولكن هذه وجهة نظره، ولا بد أن نحترمها، وكذلك لا بد أن نحترم وجهة نظر رئاسة الحرمين، ولكن لا بد أن نعارضها وبقوة عندما تريد إلزام الآخرين بأن يأخذوا بوجهة نظرها خلافاً لوجهات نظرهم، فمن حق كل إنسان أن يأخذ بوجهة نظره إذا لم يكن فيها إضرار بالآخرين... أما بالنسبة لمسألة الربا فرئاسة الحرمين هي جزء من الحكومة، والحكومة هي التي أوجدت البنوك وأقرت نهج الاقتراض، والمفروض طالما أن الرئاسة جزء من الحكومة أن تتمشى وفق نهج الحكومة ولا تشذ عنه، وهذا أمر في رأيي لا خيار آخر فيه طالما أن المسؤول قد ارتضى أن يكون عضوا في الحكومة.
يا شيخ صالح... هؤلاء الموظفون الذين يطلبون منكم تحويل رواتبهم للبنوك ليحصلوا على فوائد الإجراء الجديد وليتجنبوا مضار الإجراء القديم ومنها المخاطر الأمنية التي كثرت هذه الأيام ليس فقط لمن يحمل راتبه كاملاً ولكن حتى لمن يأخذ مبالغ زهيدة من أجهزة الصراف... أقول يا شيخ صالح افرض أنه حصل على هؤلاء الموظفين لا قدر الله اعتداء بغرض السرقة، ونتج عن الاعتداء سرقة الرواتب والإضرار بهم بدنياً، ووصل ذلك الإضرار لحد العجز أو حتى الوفاة... إني أقول لا قدر الله ولكن لا بد أن نفترض الأسوأ... أقول يا شيخ صالح في هذه الحالة ما هي مسؤولية رئاسة الحرمين الشريفين التي رفضت الاستجابة لرجاءاتهم حتى لا يتعرضوا لما تعرضوا له...؟ ألا تتحمل مسؤولية عما حدث...؟؟ إني أطرح السؤال وأترك الإجابة لكم فأنتم خير من يجيب على السؤال بتجرد وإنصاف... ويا شيخ صالح... إن احترامي لكم كبير جداً من خلال ما أسمع عنكم... وإنه من أجل هذا الاحترام كتبت هذا العتاب... ولا أزكي نفسي... ولكني أطرح وجهة نظر ليست ملزمة لأحد.
* نقلا عن صحيفة "الوطن" السعودية |
