الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1434هـ - 26 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الإثنين 24 ذو القعدة 1431هـ - 01 نوفمبر 2010م KSA 20:26 - GMT 17:26

"فتنة".. منح حرية التعبير مذاقا سيئا

الأحد 29 ربيع الأول 1429هـ - 06 أبريل 2008م
إرشاد منجي

قبل ايام قام السياسي الهولندي المعادي للمهاجرين جيرت ويلدرز ببث فيلم يهدف الى تشويه سمعة المسلمين. غير أن هذا الفيلم الذي حمل اسم "فتنة" جاء رديئا ومملا إلى درجة أنه منح مفهوم "حرية التعبير" مذاقا سيئا.

حملة الدعاية التي صاحبت الفيلم قدمته على أنه عمل مثير للجدل قادر على جعل المواجهة العالمية التي تدور رحاها بين الإسلام والغرب أكثر احتداما.

لقد شاهدت الفيلم ، وأرى أن على غيري من المسلمين مشاهدته أيضا، ليس بسبب جودته أو مضمونه المقنع، ولكن لأنه بخلوه الكامل من المفاجآت والرؤية المتفردة يذكرنا بالسبب الذي من أجله تستحق حرية التعبير أن ندافع عنها.. فالحرية تحتاج إلى الإبداع لتبقى قوية، وهذا الإبداع هو الغائب الأساسي عن فيلم "فتنة".

الفيلم ليس إلا عملية ترقيع استخدمت فيها مجموعة من المشاهد جمعت من مخزن للفيديوهات القديمة لصقت جميعا وراء بعضها بغير تدخل.. لقطات لأحداث الحادي عشر
من سبتمبر، والحادي عشر من مارس والسابع من يوليو، تتقاطع فيها جميعا مشاهد لمسلمين يصرخون ويهتفون بعبارات مليئة بالكراهية، ويعرض أيضا مجموعة من
العناوين عن مقتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ في أمستردام، ويتقاطع كل هذا مع آيات من القرآن تبدو مثيرة للجدل.

وبالطبع لا أحد يشكك بأن تلك الحوادث التي جمعها الفيلم قد وقعت ولا أن تلك النصوص التي أوردها موجودة فعلا، ولا أطالب بأي حال من الأحوال بإضفاء القداسة على أي من ذلك، بل يجب إلقاء الضوء عليه وكشفه أمام وسائل الإعلام بكل ما فيه من بشاعة. ولكننا قبل أن نقوم بذلك علينا أن نتأكد بأننا حصلنا على التصريحات والأذون المطلوبة!!

في فيلم "فتنة" أعاد ويلدرز عرض رسم كرتوني للرسول محمد وهو يرتدي عمامة على شكل قنبلة موقوتة، وهو واحد من عدة رسوم كرتونية نشرتها صحيفة دنمركية عام 2005
وأثارت غضبا ومظاهرات بين المسلمين المحللين ثم تفاقمت الأزمة لتندلع مظاهرات عنيفة في عواصم إسلامية عديدة ووصل الأمر إلى حد المقاطعة الكاملة للبضائع الدنمركية بين المسلمين، غير أن المفارقة الساخرة التي تثبت أن حرية التعبير لن تحظى أبدا بالحرية الكاملة أن فنان الكاريكاتور صاحب ذلك الرسم للرسول أعلن أنه
سيقاضي ويلدرز لانتهاكه حقوق ملكيته الفكرية!!

مشاكل ويلدرز لا تتوقف عند هذا الحد، فبلصقه تلك المشاهد المثيرة واحدة إلى الأخرى لم يقدم لنا أكثر من خطبة غاضبة مبتذلة تعيد تكرار ما هو قائم، وهو ما يجعل من فيلم "فتنة" أسوأ من كونه عملا مملا ورديئا، إذ أنه أصبح بهذه الصورة عملا غير جدير بالالتفات من قبل أناس كان يجب أن يسائلوا على صمتهم تجاه العنف والانتهاكات التي تتم تحت راية الإسلام.

هناك طريقة اخرى كان بامكان ويلدرز ان يتبعها ان اراد بالفعل اثارة جدل: فقد كان باستطاعته أن يعرض آيات من القرآن الكريم تحمل معاني إيجابية تكشف أن المسلمين الذين يروجون الكراهية يعملون بفعالية لطمس الجوانب المشرقة في الإسلام.. هناك كثير من هذه الآيات في القرآن، منها على سبيل المثال تلك الآية في سورة آل عمران التي تكرم المرأة وتقر المساواة بينها وبين الرجل "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض".. تخيلوا لو تم عرض نص تلك الآية مع مشاهد لجسد امرأة مشوهة بعد تعرضها لعملية قتل شرف.

أو تخيل لو قام ويلدرز بتتبع خطب أولئك الأئمة الذين ينادون بالموت لغير المسلمين وعرضها جنبا إلى جنب مع الآية من سورة المائدة التي تقول "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".. أو كان يمكنه أن يحقق التأثير القوي نفسه باستخدام تلك الآية القصيرة البسيطة من سورة الكافرون التي تقول "لكم دينكم ولي دين".

الأهم من كل ما سبق أن ويلدرز أضاع فرصة ذهبية لوضع أولئك المتزمتين المسلمين والمتعاطفين معهم ممن يبشرون بنار جهنم لغير المسلمين أمام تلك الآية التي يقرأها جميع المسلمين في سورة البقرة وتقول: "لا إكراه في الدين".

إذا كان هؤلاء المتزمتون يصرون على الأخذ الحرفي بنصوص القرآن الكريم فلماذا إذن لا يأخذون بالنص الحرفي لنص ذلك الإعلان القرآني الواضح والقاطع والصريح ضد
الإكراه في الدين!

لا أعني بشيء من الاقتراحات السابقة تجاهل الواقع المرير أو محاولة تجميل الصورة البغيضة، فمن حق ويلدرز أن يعرض ما يشاء من آيات يراها تحض على العنف في القرآن الكريم، كما أن من حقه –إذا شاء- أن يقدم لنا خطابا مبتذلا ومباشرا على نحو مؤلم، ولكنه سيكون بهذه الطريقة قد حطّ من شأن حرية التعبير باختزالها في فيلم "فتنة" في معنى الابتذال، وإذا كان هذا الابتذال هو أقصى ما يستطيع محارب من أجل الحرية أن يقدمه؛ فما الفائدة التي ستعود علينا من نيل تلك الحرية؟!

وبالطبع فإن فوائد تلك الحرية لا يمكن إحصاؤها إذا مارسناها بذكاء.

لقد كان بإمكان فيلم "فتنة" أن يجبر المسلمين على النظر بعمق في القرآن الكريم ومراجعة سياساتهم واختياراتهم لو شغل نفسه بعرض تلك الباقة المتنوعة من الخيارات التي يضعها ذلك الكتاب أمامهم، ولو فعل ذلك لكان بإمكان غير المسلمين أن يتعلموا شيئا جديدا عن الإسلام، وعندئذ كان يمكن اعتبار أن ويلدرز قد تقدم خطوة بذلك الجدل الجاد والضروري حول الحرية.

وهنا تأتي المفارقة: فأولئك الذين يحاربون من أجل الحرية عادة ما يسيئون إليها.... كما يحصل مع الإسلام هذه الأيام.

*خاص بـ"العربية.نت"