طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 01 ربيع الثاني 1429هـ - 07 أبريل 2008م
لذّة العيش بلا رئيس
 

غسان شربل

مررت قرب القصر الجمهوري الشاغر في بعبدا. لم أشعر بشيء.

قلقت. هذا الحياد الكامل مريب. ليس من مواصفات المواطن الصالح. وشعرت بقدر من الحرج حيال السائق. أغلب الظن انه كان يتوقع مني شيئاً. شعور بالأسف. أو الحزن. أو الاستنكار. والحقيقة انني كنت منشغلاً بأمور أهم. كنت غارقاً في سماع شريط لنانسي عجرم. ولا أريد إفساد هذه المتعة. وليسامحني الله.

ذكّرني السائق بأن القصر بلا رئيس. ارتبكت. غالب الظن انني أعاني هبوطاً مريعاً في مشاعري الوطنية. تبلّدت. وتكلّست. ومن يدري فقد أكون مواطناً سيئ الظن، يفضل القصر بلا رئيس.

انتابني شيء من الخجل أمام السائق. الأزمة مستفحلة. والشر مستطير. والوضع مفتوح على كل الاحتمالات. الوضع السياسي مقزز. والوضع الأمني يترقب جنازة جديدة. والوضع الاقتصادي شديد التدهور، ومعاناة الناس غير مسبوقة، ومعنويات الناس في الحضيض. لا يجوز لمواطن أن يكون محايداً على هذا النحو. ولا يجوز لصحافي أن ينشغل بأغنية، على رغم جمالها، عن مصير القصر اليتيم. وقلت ربما احتاج الى استشارة طبيب.

والحقيقة انني قررت ألا أذهب. خشيت أن يردد على مسامعي شيئاً شبيهاً بما يرتكبه النواب على شاشات الفضائيات. كأن يقال لي انني أحتاج علاجاً طويلاً ومركّباً. أحتاج سلة كاملة. وأن شفائي مرهون بعوامل عدة. نتائج الانتخابات الأميركية. والحوار الإيراني - الأميركي. وموقف الإدارة الجديدة من سورية. ومصير سلة القرارات الدولية. وسلاح «حزب الله». والمحكمة الدولية. وتوسيع حلف شمال الأطلسي. وغني عن القول انني لا أستطيع أن أعلق صحتي ومصيري على مسائل معقدة وأن أكتفي للبقاء حياً بمراهم عمرو موسى سواء اعتمد الطب العربي أو الوخز الصيني.

إن تحميل أغنية نانسي عجرم مسؤولية الهبوط في مشاعري الوطنية غير دقيق ومجافٍ للحقيقة. وماذا تراه سيفعل الرئيس لو انتخب؟ سيقول إن قوة اللبنانيين في وحدتهم الوطنية. وان حزمة القضبان تستعصي على الكسر فيما ينكسر القضيب الوحيد أو المستفرد. وسيقول إن لبنان تجربة حضارية وفذة. وانه يعارض التوطين. وكل هذا سمعته يوم كنت صغيراً. وقد يطنب في دعمه المقاومة فنسارع الى مناشدته عدم مغادرة القصر لتنفيذ عملية استشهادية.

لشغور قصر الرئاسة وجه آخر. انه لذة العيش بلا رئيس. لذة يشعر بها من يرى مصلحته في تمديد الأزمة. فضلاً عن فوائد أخرى. إعفاء اللبنانيين من استقبالات الرئيس، والتصريحات التي يدلي بها الزوار وبينهم نسبة رفيعة من الثقلاء.

ثم ان شغور القصر يبقي البلد في حال التحفز والانتظار والأحلام. يبقي باب الأمل مفتوحاً أمام الطامحين من الموارنة. يقولون إن أحدهم يستيقظ قبيل الفجر. يحدق بالمنظار الى القصر والكرسي. يخاف أن يمرروا الرئيس ليلاً فيخسر حلم عمره. وحين يتأكد من الفراغ يعاود النوم هادئاً. وساعة يستيقظ يستدعي الصحافيين ويؤكد تمسكه بالسلة المتكاملة.

مررت بالسراي الكبيرة ولم أشعر شيئاً. لا يحق لك أن تطالب «حكومة بتراء» بشيء إذا كان همّ أعضائها البقاء على قيد الحياة. ومررت بالمجلس النيابي فرأيت العصافير تؤسس أعشاشاً للأولاد والأحفاد. ومن يدري فقد يتم إلحاق البرلمان العتيد بالمتحف الوطني تخليداً للعراقة البرلمانية ودرساً في الرقابة والتشريع. ساهم غياب رئيس الجمهورية في تمرس عدد غير قليل من النواب بالهديل على الفضائيات.

في المقهى استقبلني السياسي باسماً. قال: «كيف تطيقون العيش في بريطانيا. عتمة ومطر. غيوم وضباب واكتئاب. أربعة أيام وسارعت الى المغادرة». وحرت ماذا أجيب. هل أقول له إن الملكة لا تحاضر في الوحدة الوطنية. وان غوردون براون لا يستطيع قيادة «حكومة بتراء». وان رئيس مجلس العموم لا يستطيع إقفاله بانتظار «السلة المتكاملة».

سألني إن كنت جئت لتغطية الأحداث. شعرت بهبوط منسوب الوطنية في دمي وانحسار الحوافز الصحافية لديّ. كدت أقول له إنني أزور جمهورية السلة المتكاملة لأهداف متواضعة. ففي مثل هذه الأيام يطل اللوز الأخضر. والفول الأخضر. وزهر الليمون. وان اللوز أفضل من الحوار. والفول أفضل من الثلث المعطل. وسلة الخضار أفضل من سلة المطالب. وان غياب الرئيس أفضل من الرئيس.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية

عودة للأعلى