طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 04 جمادى الأولى 1429هـ - 09 مايو 2008م
فيشر وحذاء الرياضة والشرق الأوسط الجديد
 

سعد محيو

جوزف مارتن “جوشكا” فيشر، وزير خارجية ألمانيا في الفترة بين 1998 و،2005 قد يكون أشهر سياسي ألماني وأكثرهم طرافة أيضاً.

حين عيّن أول وزير للبيئة في تحالف الخضر والديمقراطيين الاشتراكيين العام ،1985 أدى يمين القسم وهو يرتدي حذاء الرياضة. وقبله بعام، في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1984 وحين كان نائباً في البندستاغ (البرلمان) خاطب نائب رئيس البرلمان ريتشارد ستوكلين بقوله: “مع كل احترامي لك سيدي، إلا أنك قفا”. تزوج خمس مرات متتالية، ومع ذلك وحين تقاعد من العمل السياسي العام 2005 بعد هزيمة انتخابية، أعلن أنه “يريد استعادة حريته”!

فيشر، إذاً، شخصية مميزة، نجح بأسلوبه الصريح والمباشر في جعل حزب الخضر يحصل على 7 في المائة من الأصوات. لكنه، إلى طرافته، كان سياسياً براغماتياً ومن الطراز الأول. فبرغم ميول حزبه السلمية الصارخة، دعم فيشر مشاركة ألمانيا في حرب (كوسوفو) للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ثم في حرب أخرى (أفغانستان). لكنه كان ذكياً بما فيه الكفاية لينصح المستشار الألماني بعدم الانغماس في حرب العراق.

لماذا تذكّر “جوشكا” الآن؟ لأنه أدلى مؤخراً بدلوه في الشرق الأوسط، فنشر دراسة معمقة حاول فيها التقاط العوامل التاريخية والجيوسياسية قيد العمل راهناً، والتي ستحدد إلى حد كبير مستقبل المنطقة. وهي كانت دراسة مثيرة بالفعل.

فقد اعتبر فيشر أنه برغم اخفاق المحافظين الجدد في إقامة شرق أوسط ديمقراطي وموال للغرب انطلاقاً من العراق، إلا أن السياسة الأمريكية نجحت في زعزعة استقرار المنطقة ودفعتها إلى التغيير بفعل عوامل ثلاثة: الفشل التاريخي في العراق؛ اندثار القومية العربية العلمانية؛ والارتفاع الشاهق في أسعار النفط.

التغيير بالنسبة له لا يعني بالضرورة التقدم، وإن كان يتضمن بالضرورة الحداثة. وهو يرسم هنا حصيلتين متناقضتين لهذا التغيير: النهضة الاقتصادية في دبي وباقي إمارات الخليج و”إسرائيل”، من جهة، وصعود حركات راديكالية كحزب الله وحماس و”الجهاد الإرهابي” (كما يسميه)، من جهة ثانية.

هذا هو “الشرق الأوسط الجديد”، الذي يراه وزير الخارجية الألماني السابق: صعود متزامن لحداثة اقتصادية (بعض النظر عن مضمونها)، ولأصولية راديكالية ليس معروفاً بعد ما إذا كانت ستنحاز أم لا للخيار الديمقراطي، وإن كانت منحازة بالفعل للتحديث. وهذا الخيار الأخير برز في حرب لبنان ،2006 حين استخدم حزب الله الصواريخ الحديثة لشطب حرب الدبابات القديمة من المعركة، وحين حل هذا الحزب ومعه “حماس” و”القاعدة” مكان الجيوش التقليدية كنقاط ارتكاز بديلة عن كل من الحروب النظامية الكلاسيكية وحروب العصابات التقليدية.

لكن هذا “الشرق الأوسط الجديد” ليس نظاماً. وفيشر لا يرى إليه إلا بوصفه فرصة مفتوحة على احتمالين متناقضين: إما التطور إلى نظام إقليمي جديد يعكس مصالح كل الأطراف، ويوفر حدوداً آمنة، ويستبدل مطامح الهيمنة بطموحات الشفافية والتعاون، أو التدهور إلى نظام إقليمي أكثر خطراً من النظام السابق.

أي الاحتمالين الأقرب إلى التحقق؟

فيشر لا يجيب.

لماذا؟

ربما لسبب وحيد: لأنه كان سيختار حينذاك الرد خلال زيارة للبيت الأبيض وهو يرتدي حذاء الرياضة، وليتلفظ هناك بكلمات “غير سارة” في وجه الرئيس بوش الذي يكره، كتلك التي ساقها لنائب رئيس البرلمان ستوكلين!

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: