علي الشريف
الصحافة العربية الرياضية الآن، (إلا ما ندر) منها، تعاني أزمة (مظهر، ومضمون)، وأحياناً من غياب مصداقية، وتوقع العديد من المشاكل، كونها تأتي (مكملة)، أو (ملحقة)، أو (سد فراغ) في أغلب الصحف العربية التي تقوم على السياسة قبل أي شيء، ثم على الاقتصاد والمحليات، ثم فيما بعد على الرياضة والفن، وفيما أن أغلبية السكان العرب يطاردون كرة القدم ولاعبيها ومبارياتها حتى في إسبانيا وإيطاليا وإنجلترا بعد (معارك) الشأن المحلي طبعاً، تجد أن صفحات الرياضة تتقلص، وتكون أضعف محتوى، فيما أحداث الرياضة أكبر من أي شيء آخر، عطفاً على كثرة الألعاب واللعبات، وقياساً بنهم تعاطيها.
.. وعندما أشرت إلى (المحتوى)، (والمظهر)، فأنا أشير إلى قصور في التخصص، وإيجاد صحف رياضية مستقلة أكثر رصانة، لها جيش من المراسلين والجواسيس، بعيدة عن الوصاية وفرض الأشياء، وبنظرة ثاقبة متفحصة تجعل من هذه الصحيفة (شرق أوسط) رياضية، أو (حياة) رياضية تقرأ كتابها فتشعر أنهم من الوزن الثقيل، ذلك الذي تقرؤه فتشعر أنه (أربكك).
.. نبعت الفكرة لديّ من كون الشارع السعودي بما فيه من مقاهٍ في ليلة كليلة برشلونة وريال مدريد يختنق، وبشكلٍ يدفعك إلى البحث عن كرسي جلوس واحد في هذا أو ذاك من مقاهي الكرة، الأمر الذي يدفعك لإعادة قراءة المستهدف التوزيعي والتحريري لديك كصحافي متخصص في ملاحقة الشأن الرياضي، ومن ثم القارئ الرياضي وفق تقديم جرعة (تغنيه) عن أي صحيفة أخرى وتبقيه لصحيفتك بمفردها.
.. بعضهم يعتقد أن الفضائيات (تنوب) عن الصحيفة، فيما آخرون ينظرون إلى الأمر بأن الشأن المحلي أهم، وفئة ثالثة تقول: (كفاية) لا هذا ولا ذاك، فلدينا ما هو أهم، وتُحترم جميع هذه القناعات، غير أن وجود صحيفة عربية رياضية لا تغرق في المحلية (ولا تهملها) أمر مهم ومطلوب، وبالذات إذا ما قامت على يد خبراء في المهنة، وفي علم الصحافة، وإذا ما ركزت على التعميق أكثر من التسطيح، وعلى الدراسات، والأبحاث، والأرقام أكثر من الثرثرة أو تلك الإنشائية المثيرة للجدل البيزنطي كونها لا تتجاوز آراءً متعصبة للاعبها أو ناديها، أي أن تكون شاملة معتدلة تركز على تقنية الخبر، والقصة كقصة، والصورة التي تستوفي شرحها المُفصل، ولذتها كونها جديدة، ومَن التقطها مصور محترف، أو تستخدم صورا مميزة وفق مصادرها من الوكالات، وتحسن توظيفها جنباً إلى جنب مع الجرافيكس لإيضاح أمر ما، ولك أن تتخيل تلك الصحيفة المتخصصة وهي تقدم لك نماذج من كُتاب كرة القدم في العالم، وتروي لك سير النجوم، وتحاورهم
(لا يف)، وتستقطب (خلافاتهم)، تتخيل الأمر وأنت تقرأ عن سر صراع برشلونة ومدريد منذ عهد الديكتاتور فرانكو، وتتخيله بعد أربعة الريال في البرشا الأسبوع المنصرم، وكيف أن مراسل الصحيفة العربية الرياضية كان من ضمن ضيوف الملك 10 لمناقشته مثلاً عن كيف استطاعت صحيفته أن تثير العالم بنشر وثائق مثيرة من داخل (فيفا) أو (لماذا) تهالك رونالدو عقب زيارته لغزة ليدخل في نفق (مَن يذهبون إلى هناك ينتهون) كونهم ليسوا يهوداً، أو لم يأتوا لحائط المبكى أولاً.
.. ماذا لو قرأت في صباح اليوم التالي حواراً لريكارد المدير الفني لبرشلونة يكشف من خلاله ما حدث أمام الريال؟ وقرأت مستجدات رونالدو مع (أشباه النساء) بشكل خاص ومميز لك كصحيفة متخصصة لا تكتفي بنقل الوكالات حرفياً ووفق ما لديك من مراسلين بمقابل هناك، وقرأت كتب من اعتزلوا الرياضة هناك، وكيف أن من يعتزلون هناك لا تطلق عليهم رصاصة الرحمة مبكراً .
.. لقد أثبت الواقع أن لدينا كدول عربية من الصحف السياسية ما يكفي لمآسٍ أكثر وأكبر، فيما المواطن العربي (نفض يده) مما هو سياسة وتفرغ لما هو رياضة وبطريقته الانفعالية نفسها قومجية، وفرح وغضب، وبالتالي (حاجة السوق) إلى الرياضة أكثر، وبهذا (التعميق) أكثر وأكثر، علنا ننجح فيما نريد لا ما يراد لنا.
.. الصحافة الرياضية تركز على القصص الخبرية، وعلى الجرافيكس، والمذكرات، والحوارات، وكتابة تقارير باحترافية كما هي السياسية، وهذه لا تجدها في الصحافة العربية بشكلٍ مكثف وتأتي على استحياء
* نقلا عن صحيفة "الرياضية" السعودية |
