طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأحد 13 جمادى الأولى 1429هـ - 18 مايو 2008م

لوعة غياب.. هديل

 

حمد العيسى

فور استلامي رسالة SMS من الصديق حسين الجفال ظهر يوم الجمعة 16 مايو تقول: «هديل الحضيف في ذمة الله»، شعرت بما سماه الكاتب العبقري الراحل عبد الرحمن منيف «لوعة الغياب»، وهو عنوان كتاب أكثر من رائع لمنيف!

ومن المفارقة أن تشعر باللوعة لغياب لفتاة في الخامسة والعشرين لا تعرفها شخصياً، بل كل ما يَصِلُك بها ما تسمعه عن إبداعها المتميز ومدونتها المدهشة: «باب الجنة».

عندما قرأت الخبر، ذهبت لأجلس بين أبنائي وبناتي لبضع دقائق. هكذا فعلت، فهديل كان من الممكن أن تكون ابنتي لو تزوجت مبكراً بعض الشيء. ثم عدت إلى مكتبي، وبكيت. نعم، بكيت لأن للغياب لوعة مضمخة بالحنين، والأسى، والاستذكار، والحضور، والأمل، والمعاناة، والأسف. نعم، بكيت مثلما بكى والدها الصديق الدكتور محمد الحضيف.

ولكن هديل ستظل حية في ذاكرتنا وقلوبنا، ولا يستطيع الموت أن يغيبها عنا كما قال عبد الرحمن منيف في «لوعة الغياب»: «إن الموت ذاته نهاية منطقية لحياة أي كائن، لكن ميزة الإنسان، قياسا للكائنات الأخرى، أن له ذاكرة، وأن لا جديد دون قديم، وهذا ما يعطي الحياة الإنسانية القدرة على الاستمرار والغنى، وإذا كان الموت المادي يلحق الكائن البشري فيغيبه كفرد عن الأنظار، فإن ما يتركه هذا الكائن، خاصة في إطار الفن والفكر والأدب، يبقى وينتقل إلى الأجيال اللاحقة، ليساهم في تكوين الذاكرة وتعزيزها».

ومن تجربتي الشخصية، فإن لوعة الغياب تترك جرحاً غائراً في الروح لا مجال لشفائه، ولكن يمكن محاولة تناسيه. نعم، قد تتناساه، ولكن لا يمكن أن تنساه لأنه يبقى مغروساً إلى الأبد في اللاشعور.

جميع الأصدقاء والصديقات تأثروا وبكوا لغياب هديل. لقد كانت فراشة رائعة الألوان تنتقل من زهرة إلى زهرة لتمتص رحيق الحكمة لتبثه إبداعاً معطراً على من حولها. وحسبها أنها تركت ذكرى جميلة مثل جمال روحها الطاهرة لكل من عرفها، أو حتى سمع بها مثلي.
رحمها الله رحمة واسعة، وغفر لها، وجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وجمعها مع عائلتها ومحبيها في الفردوس الأعلى.

* خاص بـ"العربية.نت"

عودة للأعلى